|
المفـاهيم الفـردية السٌــــــــكًّـر:الناس ضاقت طعم القهاوي حُلُو حُلُواخوك ود امك وابوك ساعة القهاوي ماتطلوٍُِِيشوفك تقول سحار ود ام باعِلُو
حجاج ود احمد ود حسن
كان ذلك في الايام الغابرة. حيث كان الريف آنذاك ، منفتحاً علي بعضه البعض. في الهواء الطلق يعيش الناس ويتزوجون ويتناسلون ومن ثم يموتون. حدود العالم لا تتجاوز لدي معظمهم حدود القرية او القرى المحيطة بها. حيث التلفزيون هو شليل والرمة وحراسها وام طويرة وشدت...الخ في هذا الخضم الهادي ، فطن الشاعر حجاج محمد حسن الي التغيير الذي اصاب بعض النفوس. ولعل ذلك يؤرخ لحقبة دخول سكر " ابو راس" مع الغزو التركي والذي درسناه في المدارس آنذاك علي اساس انه الفتح التركي المصري-محببين لنا تلك الصورة البشعة. تري مسئولية من تزوير التاريخ: المؤرخون ام الناشرون ام الذين اعطوا الضوء الاخضر بالنشر؟.هذا شأن آخر ، لسنا بصدد الكلام عنه الان. فطن الشاعر الي التحول والتغيير الاجتماعي الذي بدأ يصيب المجتمع السوداني. فالاخ الذي كان يقابلك ببشاشة، تسبق ابتسامته معانقته، بدأ يشوب لقاءه بعض الفتور ثم العبوس ، ومرد ذلك العادة الاستهلاكية الجديدة التي قلبت كيان الناس قاطبة. حيث حل السكر محل التمر في تحلية "الكيوف" . بدلا‘ عن العنت الذي كان يلاقيه الناس من حيث اعداد هذه المكيفات ، صار بمقدور كل فرد تحلية شايه او قهوته بحركة بسيطة من الملعقة او أي عود اراك او سنط الي جانبه . اما الذي جعل السكر يشبه الدولار في حلاوته وطلاوته هو الكاش. ولحلاوته وندرته صارت الفتاة الجميلة يطلق عليها لقب قطعة سكر، والكلام الحلو ايضاً سكر وحجر الاساس حتي في بيوت الطين توضع صرة السكر الي جانب الكمون . والمعني معروف الحماية من الشر وحلاوة المقر. وتعددت استعمالات السكر, حيث قلب الكيان الاجتماعي ، فبدلا‘ عن المشروبات الروحية المصنوعة من الذرة المحلية ، تربعت كؤوس الشربات ، وبالتالي دخلت مفاهيم استخدام الزجاج بدلا‘ عن الطلس البيضاء واختفت كثير من المفردات او صارت قاصرة علي مناطق بالتالي فئات قليلة. فكلمة "عَبَّار" بفتح العين وتشديد الباء- صارت قاصرة علي اصحاب الماشية الذين يستخدمون الوسائل التقليدية في حلبها وفي قياس كميات الانتاج ، او بعض ممن يعملون او يعملن في تصنيع الخمور البلدية في المناطق النائية او أطراف المدن.
الناس ضاقت طعم السكاكر حلو حلو
التوكيد اللفظي هنا لتوكيد الحلاوة والاشارة كذلك الي ان النفس البشرية مطبوعة علي الاثرة، التي تغلبت في مجتمعنا علي "الشَكْرة"، أي شكر المعروف والتغني به. ففي الماضي كان تقدم صورة شديدة التبغيض في الشاب الذي لا يخالط الآخرين في المناسبات الاجتماعية، كالزواج والمآتم حيث يكون اعداد الطعام –تحديداً صنع الكسرة- من اوجب واجبات اهل المنطقة. ، فيقال
الحار الما بِتُقًص دربو ما شال قدحو انحشربو
"والانحشار" هو الدخول في المكان الضيق كالشق مثلاً. ولعل هنا اشارة الي انه لم تكن هناك حواجز بين كل بيت واخر. بمعني لم يكن هناك سور يفصل بين البيوت. انما تعرف بان هذة حارة فلان . كما ان الفرد كان يتناول وجبته في مكان يراه فيه الناس بحيث يصير الجميع مدعوون بطريقة تلقائية. وما زال الناس في مدينتي الريفية يتناولون افطار رمضان في الشوارع حتي يتمكن كل من يمر وقت الافطار تناوله مع الآخرين ذلك بغية نيل اجر افطار الصائم زائداً المنافع الدنيوية الاخري. وفي النواحي الاجتماعية : تغني الشعراء ووصفوا الفتاة الرقيقة الحاشية الحلوة المعشر بأنها قطعة سكر:
قالوا قطعة سكر قلنا احلي وانضر ايه نعومة المخمل ولا عود الصندل "...."
الي ان يصل الشاعر اللواء (م) ابو قرون عبدالله ابو قرون الي الافصاح علناً عن اسم الفتاة: يا حنان يا حنا يا زهور في جنة في جمالك تهنا وتاه عقلنا وجنا. وكانت هذه الحنان خليط سوداني يمني. تشاء الظروف ان تكون من بنات دفعتي في المدرسة الابتدائية.. وكان الشاعر يومها قائداً لاحد مراكزالتدريب بضواحي العاصمة. اما محمد وردي فنان كل الاجيال والذي غني الود وقلت ارحل وبناديها والمرسال، نزل عند سيد الاسم السكر، فغني:
الحنينة السكرة سمحة والله ومقدرة جينا ليها نذكرا الحفلة لازم تحضرا وبشبابها تنورا
كيف لا وهو-أي السكر- الذي تصعر له الجباه، وتفقر له الجيوب، وتفغر الافواه . والشوام يطلقون علي الحلويات سكاكر،الي جانب لفظة بون بون الفرنسية التي تعني الحلويات. السكر: كيف لا يغير السكر مفاهيم الناس وهو "سيد الاسم الذي اقعد حكومات واقام اخريات. سياسة الدولة في تعميق المفاهيم الفردية
دخل السكر السياسة من اوسع ابوابها، فاحني جباه قادة و"وشَنّق طواقي" سادة ، فازدادوا سيادة . زيادة سعر السكر ، كانت وما زالت ، تعني تعبئة الاحتياطي المركزي اولاً ثم بث النبأ عبر الوسائط الاعلامية. كم من شاب او فتاة او طفلة فقدوا حياتهم في التظاهرات المناهضة لزيادته، واقضت مضاجع الحكومات.التي" شَطِرت" مؤخراً وتمكنت من ادخاله في البطاقة التموينية، فصار "الانحشار مقنناً" . ويومها قيل ان الغرض من كل هذا تنظيم الخدمات وايصالها الي المتلقين في كل اقاصي السودان. غير انها قلصت نصيب الفرد الي عدد من الاوقيات لا يتجاوز الكف الواحدة في الاسبوع ، ليصل نصيب اسرة مكونة من عشرة اشخاص الي ثلاثة ارطال في الاسبوع. ثم كانت المحصلة الطبيعية ، التحول الكبير في كيفية استقبال الاخرين واكتساب انماط استهلاكية جديدة. يا ضيفنا قد زرتنا فوجدتنا نحن الضيوف وانت رب المنزل. صار اصحاب المنزل هم الضيوف فعلاً. ليس من كرم للضيف ولكن من لا مبالاة به ، علي احسن الفروض. ويا ضيفنا صرفت بطاقتك ولا نسيتها..!!! الناس ضاقت طعم السكاكر حلو حلو...رواية اخري للابيات الشعرية...
تقلصت مساحة الحلو في حياة الناس ، فاخترمت ثلاثة ارباع كوب الشاي. مع العلم بان الشاي يعتبر تحلية ما بعد الغداء للكثيرين في السودان. ويطلق علي الشاي الجيد الاعداد اسم "دم الدكاترة." وكان لابد" للكيفيين" الذين لا يقبلون بكوب الشاي، الا " مسح رطل زيت،" التكيف مع الامر الواقع. ثم كان لابد من التعديل في بعض العادات الاجتماعية، فتقلصت جوالات السكر التي كانت تتصدر لوري "الشيلة الي واحد خجول-علي احسن الفروض- ينزوي في قعر بوكسي "الشيلة"، واختفي الشاي والقهوة من بعض المآتم والسمايات(العقيقة) . وصارت ستات الشاي اللائي يمارسن هذه المهنة في الاسواق اوردهات المصالح الحكومية او الخاصة، يقمن بتعديل تعريفتهن لمجرد ارتفاع اسعار الوقود. كما صارت له دويلات ومراكز قوي في داخل المراكز الرسمية. ورغم تعدد مصانع السكر، الا ان معظمها لم يعد يعمل وذلك اما لاخطاء صاحبت الانشاء او لان ملكية الدولة فيه لا تتجاوز ال25% . الي جانب ان معظمه يذهب الي بعض دول الجوار الافريقي. مما يجعلنا "كإبل الرحيل شايلة السُقا وعطشانة وبدلاً عن الحنينة السكرة ، سقطت الصفة الاولي وتعالت الثانية علي كثيرين. وسكنت العالى. انشاء الله تتدحرج تجينا ولو" بصاقعة صبنة."
ودمتـــــــــــــــم... حليمة
|
|
|