وجاهات لساتك عربية جناح
أم جكو..!!
حليمة محمد عبد الرحمن
halimaabdel_rahman@hotmail.com
ثلاثة مشاهد اجتماعية تمتلئ بالوجاهات.
المشهد الأول: لساتك عربية جوكر أو جناح أم جكو
كانت لنا صديقة أسرتها متوسطة الحال. ابتلاها الله ببعض أفراد الأسرة الفاحشي
الثراء. كان التواصل بين الجانبين المتوسطي المعيشة والأغنياء الذين يعتبرون
أقربائهم شديدي الفقر ويجب التعامل معهم بطريقة خاصة. وكانت زميلتي تعتبر
أقاربها فاحشي الفقر ويجب التعامل معهم أيضا بطريقة خاصة، كانت تكرهها كثيراً
للتعب النفسي الذي يسببه لها الاستعداد لمثل تلك المناسبات. وما بين الطريقتين
الخاصتين شرب الجميع المقلب.
في مناسبات الأغنياء السارة، كانوا يوجهون اذلك. إلي أقاربهم اللي مش علي قدر
كده، بكروت خاصة تختلف عن كروت الناس الفوق. والحمد لله أن أهل زميلتي لم
يكونوا يعرفون ذلك . فقط أنا. وكانت زميلتي حينما تصلهم تلك الدعوة التي لا
يعلمون أنهم تمت دعوتهم إليها بتلك الكيفية يجتهدون في كيفية الظهور بمظهر يليق
بالأقارب الأثرياء. وأكثر ما كان يتعبهم الدابة أو الراكوبة, اعني السيارة،
التي يصلون بها إلي تلك القصور المنيفة، في ضواحي الخرطوم وامدرمان الجديدة.
كانوا يملكون عربتان (هكرات) وأربعة لساتك فقط..كنا نطلق عليها ساخرات: لساتك
جناح ام جكو.. وليعذرني من ينوبه رذاذ هذه الكلمة.. الغرض ليس التحقير أو
التقليل من الشأن وإنما الفاعلية في تطبيق العملية..المهم. كانوا – اسرة صاحبتي
– يقومون بتغيير العربات حسب مقتضي الحال. تارة العربة الصفراء التي لم يكونوا
يميلون إليها لشبهها بالتاكسي وتارة العربة البيضاء. فيشمر محمد في ذلك اليوم
الموعود ويبدأ في تغيير اللساتك وتدشين العربة حتى تصير صالحة للاستعمال.
والطريف في الموضوع أن صاحبتي أخبرتني أنهم كانوا يخبرون أقاربهم، خاصة إذا كان
هناك عدد كبير من المعازيم، بأنهم قد أتوا بتاكسي نسبت لوجود العربة في الورشة
للصيانة، بعد أن يكونوا قد ركنوها بعيدا عن أنظار باقي الجماعة الأغنياء.
المشهد الثاني:
نحن قوم تعجبنا الشجاعة لدرجة الغلط. مواقف صدام التصادمية أعجبت الكثيرون
الذين أطلقوا اسمه علي مطاعمهم. وهذه لها دلالاتها الاعجابية والعنترية لمن
يريد الزوغان من دفع الحساب. ووصل الإعجاب بصدام وأسرته أن بعضهم أطلق اسم صدام
وزوجته ساجدة علي الذكور والإناث وأوشك أن يصل إلي المراحيم عدي وقصي لولا
التدخل الأمريكي الأخير الذي حسم المسألة لصالح القبيلة السودانية.
لنعد إلي موضوعنا الأول وهو الإعجاب بأفعال الشجعان والشجاعة. خلال حرب الخليج
الأولي اغرم العديد من السودانيين بموقف صدام حسين المعادي لأمريكا.. نحن قوم
تعجبنا الشجاعة الي درجة الغلط أو (العوارة). المهم خلال أيام الحرب الأولي
وحينما كان التلفزيون يبالغ في وصف كيف أن صواريخ الحسين العراقية تتغلب
باستمرار علي صواريخ سكود أو باتريوت الأمريكية(نسيت والله نوعية الصواريخ)
أعجب احد زعماء العشائر، في احدي القرى بما يسمعه وقرر نقله إلي قومه (الصُنُج)
علي حد قوله.. اجتمع المجلس الذكوري في القرية أمام منزله. جلس بعض الناس علي
العناقريب العارية من المراتب والبعض الآخر علي الأرض، في انتظار أن يفتتح
الشيخ الونسة كالعادة. كان البعض منهم يتجاذب أطراف حديث غير مسموع للبعض. بدأ
الشيخ الونسة:
- ها ناس ماكُن خابرين..
- رد الحضور في شنو آ شيخنا.. نحن من غيرك شن بخبرنا.
- الخبر آ جماعة قالكن، أخونا صدام زول العراق..
- أها، مالو بنعرفو بحليل. البارح ما كلمتنا بيهو. وأوشكوا أن يذكروه بدرس
الأمس في السياسة علي طريقة دكان ود البصير.
- قالَك عليك أمان الله الليلة قام لك علي الجماعة الأمريكان الكفر النُجُس ديل
ضوقهم الويل وسهر الليل.
- هاآآآآآآآآآ؟ عفينا منو. سَوَّالُهم شنو؟ علماً بان الجلوس قدموا عفوهم عن
صدام قبل معرفة الحدث.
- قالك، جو قالوا بدور يادبوهو. فكوا صواريخهم ديك الاسما شنو قنا البارح..
- (همهمات من الحضور، تدل علي عدم التأكد) السقط آشيخنا.. (صمت) يتشجع احد
الحضور ويرفع صوته..آي صواريخ السقط.. أنا بعرفها بحليل..
- يغضب الشيخ.. السقطة التنفخك.. اسمها مو كدي عيلا مو بعيد منو..اياهو كدا
أآي. عيلا تاني ما تلفح من خشمي.. أي فكولو السقط.. قام طوالي فكالُم صواريخ
الحسين.. قالك عليك أمان الله السقط جاري والحسين جاري.. السقط يزوغ بجاي
الحسين معاه. يِتَنِب يقيف الحسين يبراهو. قدر ما يسوي ما اداهو فـَرَقة تب.
ووكتين السقط قرب لي بغداد. بس قام الحسين كف غاروا. وطبقو في اباطو الطبقة
الواحدة ما خلاهو فلفص جاي ولا جاي. (صمت تام من الحضور، لا يسمع فيه سوي صوت
تنفسهم العميق. وكانت عيونهم تبرق بقوة.) بس طبقة واحدة وجا نازل بيهو
جوووووووووووووووووووووووو(مقلداً صوت النزول) بووووووووووووووووووو
جوووووووووووووووو، بووووووووووووو(يفغر الحضور أفواههم ويُري بعض درادم
التمباك، من بعض الذين تدلت شفاههم السفلي) وما بين جووووووووو، وبوووووووووو.
نزل صاروخ الحسين بالسقط الأمريكي، الذي سقط في السقوط علي بغداد. شال الحسين
الصاروخ الأمريكي ونتلو فت رماهو هنوك.. وقال له قبل أن يغادره. شوفلك لعبة
غيرا..
المشهد الثالث:
جلس بعض القرويون يتسامرون بعد سقوط الصاروخ الأمريكي علي مصنع الشفا بالخرطوم،
وذلك قبل حلول الألفية الثالثة بقليل. فاقسم الكثيرون منهم أنهم لو (قبلوا) علي
الأمريكان لأذاقوهم الأمرين(ألم اقل لكم نحن شجعان لدرجة الغلط). وسرحوا ومرحوا
في أنهم لاشك ملاقوهم ولا شك أنهم هازموهم (ناسنا نحن الهازمين الأمريكان،
بإمكانياتنا التي أقواها هذا المشهد). وإنهم لهم قد تسلحوا
- والله نحن ما شينين خلاص كان قمنا. نحن البدور كتالنا منو ؟ نحن والله الأمم
خاتانا لليوم أب سجم...
كان احد الساخرين حاضرا المشهد منذ البداية، فلم يشارك في القسم المغلظ بالقضاء
علي الأمريكان. تدخل قائلاً: يا ناس إتو ماكُن نصاح أمريكان شنو البتقدرو
عليهم.
تحفز الجميع.. مالك ماشفت جدودنا في المهدية شن سووا ووكتين كتشنر الخِويوِجي
داك جاب ديشو وجا..
-إتو يا ناس ماكن نصاح سلاح زمان دا كان سلاح؟ تجري لامن تقبض الزول وُتعَمْتو(أي
تلتحم معه) هسع أمريكا دي ضربتك كيفن..
- ما بطيارة جات من الشمال ضربت وفاتت.. رد احد الحضور..
- ضربت وفاتت زول جاب خبرها مافي؟ لا انشافت لا أنسمع لها صوت. وبعد ماضربت
مرقت تتقدل علي كيفها..ها غشيم ها..أمريكا ما ضربتك بطيارة..أمريكا من البحر
الأحمر فكت صاروخ بو ضرب مصنع الشفا بدقة وما أصاب حتى مصنع الطحنية الجمبو..
تقول نكاتل أمريكا.. انتو الواحد يقعد في المُسْتُراح(دورة المياه) يهدف غلط..
خلي كمان نكاتل أمريكا..!!
يسدل الستار..
ودمتم.
حليمة