لن نكون صامتين بعد اليوم
Silent No More
Confronting America"s False Images of Islam
المؤلف : بول فندلي
مواجهة المفاهيم الخاطئة عن الإسلام في أمريكا
مختارات من كتاب ل بولي فندلي
الحلقة الاولي
طالبان و الولايات المتحدة
قد يخطئ الأميركيون القليلو المعرفة بالإسلام؛ فيظنون أن حكم "طالبان" الذي يسيطر على معظم أفغانستان، ويدعو نفسه إمارة أفغانستان الإسلامية، هو عيِّنة مما ستكون عليه الحكومات ذات الطابع الإسلامي. ينجم سوء تمثيل حكومة "طالبان" للإسلام عن العوامل التالية: إنَّ كلمة "إسلامية" تظهر في تسميتها الرسمية، ومعظم الأفغان يُنسبون إلى الإسلام، بمن فيهم قادة هذه الحركة؛ وقلَّما انتقدها زعماء المسلمين في الولايات المتحدة علناً لإساءتها استخدام كلمة "الإسلام"؛ والواقع أنه قلما انتقدوها علناً لأي سبب كان، قبل تدمير تمثالي بوذا، فضلاً عن أن تعليقات من احتجُّوا لم تُغَطِّها وسائل الإعلام الرئيسية. كل هذه العوامل ساهمت في تعزيز الفهم الخاطئ بأن حكومة "طالبان" في أفغانستان هي النوع الذي يود المسلمون إنشاءه في أماكن أخرى من العالم. وهذا تصور يزعج بشكل خاص الأميركيين، الذين يقلقهم كيف يمكن لمسلمي الولايات المتحدة أن يغيروا وجه أميركا إذا ما حازوا سيطرة سياسية. يصف "طالبان" أنفسهم بأنهم مسلمون، بيد أن انتهاكاتهم لحقوق الإنسان، ولا سيما حقوق المرأة، هي انتهاكات صريحة لتعاليم الإسلام يعمِّقها تقصيرهم في إيقاف الاتجار بالهيرويين. وقد اتهمهم أمين عام الأمم المتحدة كوفي أنان في تقرير له في العام 1999، "بالقيام بخروق منظَّمة جمَّة لحقوق الإنسان"، بما فيها "إعدام النساء والأطفال السريع". بَيْدَ أنّ هذا التقرير لم يحظ باهتمام يُذكر إن تقديم "طالبان" أنفسهم بأنهم حكومة دولة إسلامية يُرخي بظلاله على سمعة مسلمي الولايات المتحدة، والسبب، ببساطة، تصدُّر أخبار هذا النظام النشرات الإخبارية والعناوين الرئيسية للصحف.ِ
لقد كان من الحتمي أن تتماهى لدى غير المسلمين ممارساتُ حكومة "طالبان" مع الإسلام، بغضِّ النظر عن مدى تأثير العوامل غير الدينية، مثل العادات الثقافية والواقع الناشئ في منطقة تعيش حالة حرب، في تشكيل هذه السياسات. يستحق "طالبان" أن يوليهم مسلمو الولايات المتحدة الاهتمام الذي يتوخى النقد، لأن نظامهم ليس ما يدَّعونه. إذ لم يقيموا دولة إسلامية فعلاً، بل إن أيّاً من الدول الإسلامية لم تُقِمها بعدُ، رغم أن عدداً منها يستخدم كلمة "إسلام" أو "إسلامية" في تسميته، مَثَلُهم في ذلك مَثَلُ "طالبان". كتب مراسل هيئة الإذاعة البريطانية في باكستان رحيم الله يوسافزاي يقول: "لا توجد اليوم دولة واحدة إسلامية تماماً. فالكل "يجرب": "طالبان" والسعوديون والإيرانيون والسودانيون والباكستانيون .. إلخ". ويتنبأ بأنه من المستبعد اتخاذ نظام "طالبان" نموذجاً يقلِّده المسلمون حيثما كانوا في العالم". بيد أن توكيده هذا لا يبدد على الأرجح قلق غير المسلمين في الولايات المتحدة.ِ
فقلّة من الأميركيين تستمع بانتظام إلى نشرات أخبار الإذاعة البريطانية، والعديد منهم باتوا قلقين متخوفين من نمو عدد السكان المسلمين في أميركا. بين الشورى والنظام الدستوري أعتقد أن معظم الأميركيين غير مدركين للروابط المشتركة بين الحكم بالشورى -أي إجماع العامة- المنصوص عليه في القرآن (الكريم) وبين النظام الدستوري الأميركي. ولا يعرفون أن النظامين يتوافقان ويتكاملان من حيث البنى الديموقراطية. من هنا، ينقادون إلى استنتاج خاطئ مفاده أن أفغانستان التي يحكمها "طالبان" هي فعلاً دولة إسلامية. والجدير ذكره أنَّ جمهورية اليمن، وهي بلد مسلم، قد تكون الأقرب إلى أن تكون دولة إسلامية، بسببٍ من تقدمها المطَّرد نحو إرساء بنيةٍ ديموقراطيةٍ تشبه، إلى حدٍّ مدهش، الحكم الاجتماعي، من الشعب، وبواسطة الشعب، ومن أجل الشعب؛ وهذه غاية الإسلام المعلنة بجلاء. وباستثناء جمهورية اليمن، يحكم البلدان الإسلامية عادةً الملوك أو الجنرالات أو المستبدون. والنظام اليمني استثناء، إذ إن الشعب ينتخب الرئيس ومجلس النواب مباشرة، بحيث يقوم توازن بينهما، ويكون كل منهما رقيباً على الآخر. إلاَّ أن هذه التطورات نحو قيام حكومة استشارية لا يلحظها أحد خارج حدود اليمن. لقد فهمت الوضع في هذه البلاد عندما قمت بخمس رحلات إليها، وقد قمت بالرحلتين الأولَيَيْن عندما كنت عضواً في الكونغرس. لم أزر أفغانستان قط، لذا تأتي معلوماتي وفهمي للأوضاع فيها، استناداً إلى آخرين.ِ
لقد قمت بتكوين نظرة متوازنة لعامل "طالبان" عبر دراسات وقراءات واسعة، كما تكلَّمت مراراً ومباشرة مع عدة مسلمين ومسلمات يعرفون المجتمع الأفغاني، واستشرت أناساً قابلتهم في أوقات مختلفة خلال مسيرتي الطويلة مع الإسلام. هناك خمسة رجال كانوا مصادري الرئيسية: أحدهم أندرو باترسون، الذي كان قد أنهى لتوِّه دراسة عن أفغانستان وتاريخها؛ وثانيهما محمد بشار دوست، وهو طبيب لاجئ من أفغانستان، وجارنا الأقرب خلال سنواتي الأخيرة في الكونغرس. وفي كانون الثاني (يناير) من عام 2000، أرسلت لهذا الأخير رداً على بطاقة تهنئة بالعطلة كانت قد وصلتني منه، وأعلمته أنني أؤلف كتاباً عن مسلمي الولايات المتحدة سيتضمن فصلاً عن أفغانستان. فبدأ يزوِّدني بالمراجع والمصادر والوثائق. لقد أكَّد لي أن لا علاقة له البتة بـ"طالبان" أو غيرها من الحركات السياسية داخل البلاد، لكنه يرغب في مدِّي بفهمٍ صحيحٍ لمعاناة بلده الأم، ولمساعي إعادة البناء الجارية فيه. حتى إنه عرض تمويل رحلة أقوم بها إلى أفغانستان، بحيث أتعرَّف مباشرة إلى أوضاع الأفغان، وهي دعوة رفضتها بسببٍ من ضيق وقتيِ.ِ
والمصدر الثالث هو سعيد أحمد بط من لاهور، في باكستان، وهو موظف متقاعد في السلك الخارجي، تعرَّفت إليه عندما استأذنني بترجمة كتاب "من يجرؤ على الكلام" إلى اللغة الأردِيَّة ونشره، وقد منحته الإذن. وجعلني تعاملي المطوَّل معه أدرك أنه مراقِبٌ مؤهَّل للقضايا والتيارات الأفغانية. كما ساعدني على الاتصال بمصدرين باكستانيين قيِّمين في الشؤون الأفغانية، وهما: يوسفزاي من الإذاعة البريطانية، وطارق مجيد، وهو كاتب وعميد بحري متقاعد في البحرية الباكستانية. إنَّ مراسلاتي مع هؤلاء، إلى جانب أبحاثي حول الموضوع، جعلتني أقتنع بأن نظام "طالبان" هو غير إسلامي من وجوهٍ عدةٍ مهمةٍ، على الرغم من الإنجازات التي حقَّقها على صعيد الإعمار. ورغم شجب الإسلام الشديد للمخدِّرات، يعتمد اقتصاد طالبان والاقتصاد الأفغاني اعتماداً كبيراً على إنتاج الهيروين والأفيون محلياً وتسويقهما في الخارج. وتشكل المخدِّرات أكبرَ مصدرِ دخلٍ من صادرات أفغانستان. يمنع النظام تعاطي الهيروين محلياً، لكنَّه لا يتخذ إلاَّ خطوات شكلية لإيقاف الإنتاج من أجل التصدير. وطالما كانت النوعية الممتازة للهيروين الأفغاني ذات شهرة أسطورية، فضلاً عن أنَّ إنتاجه المزدهر. ففي عام 1997، وبعد أن أحكم "طالبان" قبضتهم على معظم البلاد، ازداد إنتاج أفغانستان من الخشخاش بمعدَّل 25 % أكثر من السنة المنصرمة. ويصر "طالبان" على أن إنتاج الخشخاش أساسي لبقاء المزارعين الفقراء على قيد الحياة. وانسجاماً مع ذلك، لم يستخدموا قوتهم الأمنية الهائلة لوضع حدّ لتجارة المخدرات. ويفنِّد بيتر مارسدِن في كتابه "طالبان" ذاك التوكيد الحكومي، فيكتب قائلاً: "ادَّعى "طالبان" في أحدث تصريحاتهم أن المزارعين الأفغان مضطرون بسبب من الفقر إلى زرع الخشخاش".ِ
لكن الحقيقة، كما قال، هي أن الفقراء لا ينتفعون إلا عندما يحتاج ملاّكو الأراضي الكبار إلى عمالة يومية لأرضهم، أو عندما يطلبون من المزارعين الصغار مدَّهم بإنتاجهم لتلبية طلبات غير متوقعة من السوق فالأغنياء الأفغان هم الذين يتحكمون بمعظم إنتاج الخشخاش، وكذلك بتصنيع منتَجاته الجانبية وتصديرها إلى الأسواق الأجنبية. التمييز ضد النساء على صعيد آخر، نجد التمييز ضد النساء، ظاهرة متفشية، قديمة العهد، وتشكل انتهاكاً صارخاً لتعاليم الإسلام. ويورد باترسون معلومات عن أنَّ "طالبان" بدأوا يضعون موضع التنفيذ في أوائل 1999 الأنظمة التالية على سكان "كابول" وغيرها من المناطق الواقعة تحت حكمهم: ـ ممنوع على النساء مغادرة بيوتهن إلا برفقة رجل، حتى في حالة طوارئ تتطلب الاستعانة بطبيب أو الانتقال إلى مستشفى. ـ ممنوع أن يقوم طبيب بمعالجة النساء إلا نادراً، رغم النقص الحاد في عدد الطبيبات. ـ ممنوع عمل المرأة خارج البيت إلا في عدد من أنواع الأعمال يحدِّدها "طالبان". ـ على المرأة، عندما تكون خارج بيتها، أن تُرخِيَ برقعاً يحجب وجهها. ـ المدارس الحكومية للذكور فقط، فلا وجود لمدارس البنات إلا على الورق. ـ يجب على كلِّ الذكور الالتحاء، وإقامة الصلوات الخمس في المسجد يوميّاً في مواقيتها. ـ أجهزة التلفزة محرّمة بموجب القانون. ويشير باترسون إلى أن الإسلام لا يفرض أنظمة كهذه أو يوجبها؛ بل إن معظمها ينتهك مبادئ حقوق الإنسان التي نص عليها القرآن الكريم.ِ
وقد نشأت هذه الانتهاكات، أساساً، عن تصميم "طالبان" على استبقاء التقاليد اللادينية، التي ازدهرت في أفغانستان قبل زمن من وصول الحكم الحالي إلى السلطة، والتضييق عليها في آن. في طليعة هذه التقاليد، الهيمنة الذكورية على الحكم وعلى التعليم وعلى التوظيف في القطاع الخاص. وفيما لا يمكن لأيٍّ شيء تبرير اشتراك "طالبان" في تجارة المخدرات أو القيود الثقيلة التي فرضوها على النساء، فلا مناص من الإشارة إلى أنهم يسيطرون على بلاد يُعتبر الجفاف والقسوة الطابع المميز لظروفها الاقتصادية، ولحيّز كبير من تاريخها، ولتضاريسها الجغرافية أيضاً.ِ
ويصف باترسون أفغانستان جغرافياً بأنها واحدة من أكثر البلدان انعزالاً وبعداً وجبالاً في العالم: "لقد عانى أفراد شعبها الأمرَّين عبر التاريخ، وتحمَّلوا ظروفاً معيشية صعبة. كما تعرَّضوا أحياناً للمذابح الوحشية، ومراراً لاعتداءات عسكرية، فيما كانت خريطة البلاد السياسية تتغيَّر. وفي القرن الثالث عشر، أنشأ "هولاكو"، حفيد "جنكيزخان"، جيشاً جرَّد معظم المناطق من أهلها، وذبح مئات الآلاف منهم، ودمَّر مدناً ونُظُم ريّ مُتقنة، تدميراً كاملاً". "ولطالما شكَّلت أفغانستان المحاطة بالبرّ، وبجيران يختلفون عنها حضارةً وديانةً، تقاطع طرق لغزوات عسكرية دموية متكرِّرة. لقد ظلَّت سنين طويلة تحت الحكم الفارسي، ثم غزاها البريطانيون.ِ
وخلال السبعينات تعاظم فيها النفوذ السوفياتي". "تتألف حركة "طالبان" من شبان ملتزمين، أفظاظ، عددهم عشرون ألفاً على الأكثر، قضى معظمهم فترة الصبا لاجئين في شمالي باكستان، خلال سنوات احتلال القوات السوفياتية معظم أفغانستان. وقد درسوا في مدارس دينية أنشأها البريطانيون في بيشاور قبل أن تصبح باكستان دولة مستقلة؛ وهناك كانوا يقضون السنوات الستَّ الأولى من دراستهم في التعليم الأساسي، تعقبها سنتان من التأهيل الذي كان يشمل التلقين الإيديولوجي، المسؤول عن تنمية التعصّب حيال كل من يدينون بديانات أو قوميات مختلفة، ما يشكّل انحرافاً عن المعايير الإسلامية. أما السنتان الأخيرتان في تلك المدارس، فكانتا مخصّصتين للتدريب العسكري". كانت الفكرة التربوية الرئيسية، في تلك الفترة، فكرة أملتها سياسة "فرِّقْ تَسُدْ". وقد عرض لها باترسون بقوله: "لقد قصد البريطانيون من وراء إنشاء هذه المدارس تنمية العداوات الطائفية بين أتباع الديانات المختلفة وتغذيتها. كانت غايتهم إيجاد نزاع يساعدهم على تبرير الهيمنة البريطانية الكلية على الهند، التي كانت تشمل آنذاك باكستان المعروفة اليوم. ومن أهدافهم الرئيسية تغذية العداوة وانعدام الثقة بين المسلمين والهندوس. وقد أنشأوا المدارس في المنطقة التي أصبحت فيما بعد باكستان، حيث كان يتلقّن الطلبة المسلمون ما ينمّي تعصّبهم حيال الهندوس، كما أنشأوا مدارس في مناطق أخرى حيث كان يتلقّن الطلبة الهندوس ما ينمّي عدم ثقتهم بالمسلمين.ِ
وأشار "باترسون" إلى التغيُّر الذي حصل في التوجُّه إثر غزو السوفيات لأفغانستان، حين أصبح الشبان اللاجئون الأفغان الفئة الغالبة في مدارس بيشاور، فقال: "لقد أُسقِط محور المعاداة للهندوس من روزنامة التلقين العقائدي، واستبدلت به تعاليم العداء للغزاة السوفيات وللمتعاملين معهم من الأفغان"(4). السوفيات في افغانستان أتى التغيير في محله تماماً. فقد قامت القوات السوفياتية باعتداءات وحشية في طول البلاد وعرضها، بما فيها المناطق الريفية، خاصة ضد القياديين المسلمين والمؤسسات الإسلامية. ولا يدرك الغرب مدى الخراب الهائل والتدمير اللذين لحقا بالممتلكات، مما يعود جزئياً إلى الحظر الذي فرضته وكالة الاستخبارت الأميركية على وجود وسائل الإعلام الرئيسية، وتغطية الأخبار من مواقعها. لقد كانت المذابح التي ارتكبت في أفغانستان ضد شعبها أكبر بكثير من المذابح، التي حصلت في أوائل التسعينات وأواخرها، على أيدي القوات الصربية ضد مسلمي كوسوفو والبوسنة في يوغوسلافيا، والتي حظيت بتغطية إعلامية جيدة.ِ
يقدَِّر الصحافي بروس ريتشاردسون أن مليوني أفغاني، معظمهم مدنيون من المناطق الريفية، قد قتلوا على أيدي السوفيات خلال العقد الذي احتلوا فيه البلاد، وأصبح 750000 مدني آخر تقريباً معوقين، إذ كانوا ضحية انفجارات الألغام الأرضية؛ وسوِّي بالأرض مليون بيت ريفي وأحد عشر ألف قرية، مع عدد مماثل من المساجد، وزهاء ثلاثة آلاف مدرسة ابتدائية؛ كما نفق أكثر من مِائة وسبعين ألف جواد وخمسة عشر مليون رأس من الغنم والماعز، وزهاء مليوني رأس من الأبقار. لقد اتبع السوفيات إحدى طريقتين لتدمير قريةٍ ما وتقتيل سكانها: إما أن تُشَنَّ غارة جوية عنيفة، ثم تقوم الطوافات السوفياتية بالتحويم فوق المكان وتستعمل رشاشاتها لقتل الهاربين من بين الركام؛ أو تقوم المدفعية السوفياتية وقاذفات الصواريخ بقصف كل الأبنية وتدميرها، ثم تجتاح المنطقة القوات السوفياتية وقوات جمهورية أفغانستان الديموقراطية -نظام الحكم الذي يديره السوفيات- وتقتل كل من بقي حياً من القرويين بين الخرائب؛ ثم تُسَمِّم الآبار، وتُفَخِّخ الجثث، وتزرع الألغام في الأهراء، لتضمن قتل أو جرح كل من يحاول دفن الموتى أو الحصول على شيء من المحاصيل النادر وجودها
من جهته، يعتقد سعيد أحمد بط أن العقيدة الدينية اضطلعت بدور رئيسي في المقاومة الأفغانية، إذ يقول: "من المحتمل أن يرد الشعب الأميركي الفضل كله للمعدات العسكرية التي أمَّنتها حكومته (للمقاومة). لكنه يتناسى حقيقة مهمة، وهي أن الولايات المتحدة ظلت على مدى سنتين ونصف السنة تمتنع تماماً عن إرسال الأسلحة، بل لم تعلن أي التزام بالمساعدة من قِبَلِها. فاستولى الأفغان على الدبابات وبطاريات المدافع السوفياتية، وعلى ملايين من الألغام، إلى جانب انتصارهم على قوات حكومة كابول الشيوعية، مستندين في ذلك فقط إلى إيمانهم القوي بالله، وإلى عقيدتهم السامية. "ويكاد يكون من المستحيل على الصحفيين الغربيين أن يفهموا الروحية التي تسيِّر المقاتلين الأفغان. وكيف يمكنهم ذلك ؟ فلو كان لدى الشعب الأفغاني القيم الاجتماعية نفسها والسلوك الجماعي الذي يعتبره المراقبون الغربيون طبيعياً، لما نجحوا قط في تحمل الغزو السوفياتي على مدى عشر سنواتٍ طوالٍ، ولما استطاعوا، في النهاية، إجبار القوات السوفياتية على الانسحاب. إن هناك ما غذَّاهم، ودعم صمودهم خلال تلك المعاناة الفظيعة.ِ
الجزء الثاني
:يستهل الكاتب الفصل الثالث بقوله
:" بأن سنوات عديدة قضيتها وأنا على علاقة ومناقشات مع المسلمين في كثير من بقاع الأرض ، إلا أن ذلك لم يجعل مني حجة على الإسلام ، إلا أنني أعتقد أنني قد حزت على خبرة تؤهلني لفهم حقيقي لمشكلة الصورة العامة للإسلام بأمريكا ، ومن إحدى هذه الصور المؤلمة المخيفة أن دخل شاب في يوليو 1999م في مدينة نيويورك بولاية نيوجيرس بنكاً من البنوك وقال للصراف في رسالة مكتوبة "بسم الله" إن لدي قنبلة ، وأنني على استعداد لتفجير نفسي من أجل الإسلام ، ضع كل ما عندك في الحقيبة ولا تجعل من نفسك بطلاً ، واستجاب الرجل للتهديد وحينما تم القبض على هذا الرجل الذي يدعي ريجينالد كويري عُلم أنه كان يريد المال لشراء الهيروين .ِ
لذلك فإن الحوادث ضد الإسلام عديدة في أمريكا بقدر عدد الولايات الأمريكية ، فقد حدث في مايو 1999م أن أمسكت الشرطة برجل أمريكي يدعى جاك ميرلن مودج وقد كان على وشك أن يحرق المركز الإسلامي بولاية كولورادو ، ذلك لأنه كما يقول "عدو لأمة الإسلام" ويسرد الكاتب أحداثاً مثيره فيما يخص محاولات المسلمين شراء أراضي أو مباني لتحوليها إلى مساجد أو مدارس وما يلاقونه من الصعوبات العديدة ، ويعلق عبد الله متشيل وهو رئيس المسلمين الأمريكان بمنطقة شيكاغو للحقوق المدنية والدفاع القانوني قائلاً " كان لب المشكلة يكمن في عدم فهم المجتمع الأمريكي للمسلين إذ أنهم يوصفون بأنهم إرهابيون أو خارجون على المجتمع وسوف يمزقون نمط الحياة الأمريكية ...." ومع ذلك يقوم الكثير من المسلمين بتوضيح الصورة بأن المسلمين ليس من شيمهم التخريب في المجتمع . وعلى الجانب الآخر يقوم بعض الكتاب أمثال بودا نسكي بإشعال نار الكراهية ضد الإسلام وهو ما فعله في مجلته "القوات الجوية الإسرائيلية " . حيث قال : "إن الإرهاب الإسلامي قد جثم على صدر الغرب بما يعتقده الحرب المقدسة "الجهاد" وخاصة في أمريكا التي تعيش في إرهاب عالمي ِ.ِ
ومن هؤلاء أيضا بات روبر تسون المذيع التلفزيوني والأستاذ الجامعي الأمريكي آموس بيرلمتر الذين يحذرون من أن الإسلام هو الخطر على الغرب ، ويلوم بعض الكتاب والمفكرين من أمثال ادوارد سعيد الفلسطيني الأصل والمارابطي مثل هذه التهم التي تتعلق بالإسلام ، وهناك من يسعى إلى المال والشهرة من وراء الهجوم على الإسلام أمثال "ستيفن اميرسون" الذي علق عام 1994م بعد ضرب مبنى التجارة بـ نيويورك قائلا ً: الجهاد في أمريكا ، استجواب للمتطرفين المسلمين ، وفي مقاله في مجلة منثلي جويش ، يشير اميرسون إلى أن كل المنظمات الإسلامية بأمريكا كانت ثقافية أو دينية إنما يسيطر عليها عناصر أصولية راديكالية ، وفي جريدة "وول ستريت جورنال" يقول اميرسون أيضاً :ِ
إن المساجد وقادتها يمثلون النواة للبنية التحتية للإرهاب ، وفي جريدة سان دياجو يوينون تريبيون ، يضيف اميرسون أن الأصوليين المسلمين ينظرون إلى الغرب باقتصاده وسياسته وثقافته على أن هجوم يستأصل ضد الإسلام ، وعند انفجار أوكلاهوما ، يعلن اميرسون على شاشات التلفاز وكذلك على شاشة " سي إن إن " أن هذا الانفجار كغيره من أعمال المسلمين ، وذلك سعياً منه للشهرة الذاتية ، ويعلن كذلك على أخبار "سي بي إس" أن أوكلاهوما هي أكبر مركز لتجمع المسلمين خارج الشرق الأوسط ، ومن آثار ذلك أن تم القبض على مواطن عربي يدعى إبراهيم أحمد كان في هذا اليوم – انفجار أوكلاهوما – مسافراًَ من أوكلاهوما إلى الأردن عن طريق لندن وتم حجزه في لندن وإعادته تحت حراسة بوليسية بناءً على طلب الأن بي آي وزادت شكوك البوليس لأنه كان يحمل بعضاً من الأسلاك الكهربائية وبعض المعدات ، وفي النهاية ثبتت براءته وأنه ما كان لديه ليس سوى هدايا لذويه بالأردن ، ثم يضيف فندلي أنه شعر بالارتياح حينما تم القبض على تايمثي ماكفي وأنه لا علاقة له لا بالعروبة ولا بالإسلام .ِ
وفي عام 1998م التصقت تهمة تفجير السفارتين الأمريكيتين في كينيا وتنزانيا بالمنشق السعودي أسامه بن لادن وهو الذي يدعو إلى الموت الزؤام لكل الأمريكان وهذه الدعوة العامة أشاعت نوعاً من الزعزعة بين الأمريكيين المسلمين خاصة الآلاف الذين يعملون بالقوات المسلحة ، وقد تم حذف أجزاء من حديثه بالقصد في تهديده على القوات الأمريكية وتم حذف أجزاء أيضاً تخص هجومه على إسرائيل ، وكل الحديث كان منشوراً على شبكة الإنترنت ، ومن ضمن الجهات التي دافعت عن الإسلام في أمريكا أعضاء المجلس القومي بواشنطن لكناس المسيح بالولايات المتحدة . هؤلاء الأعضاء الذين امتعضوا من الحركات المعادية للإسلام والمسلمين والعرب ، داعين إلى الدفاع عن حقوق المسلمين الوطنية ، ويضيف فندلي أن من العوامل التي تساعد على ربط الإسلام بالإرهاب هو ما تقوم به وسائل الإعلام الأمريكية بربط الإسلام والمسلمين بالصراع المعادي لإسرائيل ، وأنه في سنوات خدمة فندلي بالكونجرس كان يفسر اختصار منظمة التحرير الفلسطينية على أنها رموز تعني الإرهاب ، أو أن المقطع الأول لكلمة منظمة التحرير الفلسطينية هو ( الإرهاب) ثم انتقل اسم الإرهاب من منظمة التحرير إلى كل من حماس وحزب الله ، وقد يندهش الأمريكيون إذا ما علموا أن حزب الله مؤسسة نضالية تقوم على مقاومة الاحتلال ، وهناك عامل آخر لبقاء الصورة القائمة للإسلام تكمن في للوبي الصهيوني الذي يقف في صف إسرائيل .
ِويبدأ الكاتب فندلي فصله الرابع عن حركة طالبان بقوله :ِ
قد يخطئ من لديه فهم ضئيل بالإسلام أن أنظمة إسلامية ربما تريد أن تكون على نمط طالبان التي تسمى نفسها الإمارة الإسلامية بأفغانستان ، ويضيف الكاتب ، أن حكومة طالبان تعتبر ممثلاً خاطئاً للإسلام واصلها ينبع من الحقائق التالية :
أن كلمة الإسلام تظهر في اسمها -
كل الأفغان تقريباً مسلمون -
أن القادة المسلمين بأمريكا قلى ينتقدون طالبان لسوء استخدامهم لكلمة الإسلام
وحتى بعد أن حطموا تماثيل بوذا لم يتم نقد الحركة علانية ، إن عدم نقد مثل هذه الصورة – صورة طالبان – جعلت الناس في أمريكا يفكرون فماذا سيكون الحال لو أن المسلمين الأمريكان كان لديهم القوة على التغيير ، فماذا هم فاعلون في أمريكا خاصة وأن طالبان تسيء معاملة النساء وهم يبتعدون كثيراً عن تعاليم الإسلام فيما يروجونه من هيروين ؟ ويقول الكاتب فندلي إن معلوماته عن أفغانستان تأتي من بعض رجال كمصادر معلومات الأول هو أندرو باترسون الذي أكمل دراسة له عن أفغانستان ومحمد بشار دوست وهو لاجئ من أفغانستان ويقطن بجواري وقد زودني بالكثير من الوثائق والمعلومات رغم أنه أخبرني بأنه لم تكن له صلة البتة ولا معرفة بحركة طالبان ، والمصدر الثالث هو سعيد أحمد بط ، باكستاني الأصل ،
وهو الذي عرض على الكاتب فندلي أن يترجم له كتابه الذي هو بعنوان "من يجرؤ على الكلام" إلى اللغة الأردية ، كل ذلك جعل فندلي يؤمن أن طالبان غير ممثلة للإسلام، ويعتقد فندلي أنه على الرغم من أن الإسلام يحرم المخدرات وبشدة إلا أن طالبان واقتصاد أفغانستان يعتمد برمته على تسويق الهيروين والأفيون ، ويؤكد بيستر هارسدن في كتابه "الطالبان" أن البعض في أفغانستان قد أطلق القولة أنه نظراً لأن الفقراء لا سبيل لهم إلا بالعيش عن طريق الخشخاش فهذا حلال ، ويضيف فندلي أن هناك لدى طالبان تصرف لا يجزيه الإسلام وهو تفرقتهم بين الرجال والنساء ، فالنساء محرومات من ترك منازلهن حتى ولو كانت لضرورة التداوي إن لم يكن هناك رجل وأن لا يجوز لرجل طبيب أن يداوي النساء إلا في الضرورات القصوى رغم عدم توفر الطبيبات ، وأن المرأة لا توظف خارج البيت إلا ما يحدده طالبان ، وأن المرأة لا بد وأن تغطي وجهها وأن المدارس الحكومية لأولاد فقط والبنات سينظر في أمرهن مستقبلاً ،
وأن كل الرجال عليهم ترك لحاهم والصلاة في جماعة بالمسجد وأن شاشات التلفزيون محرمة ، ويشير المؤلف إلى الطبيعة الوعرة لأفغانستان وكيف أنها كانت على مدى التاريخ عرضة للغزوات الأجنبية كان آخرها السوفيت الذين ارتكبوا جرائم فظة من قتل وهدم وتشريد تفوق بكثير تلك التي حدثت للمسلمين في البوسنة وكوسوفا ، ويقدر الصحفي بروس ريتشارد سون عدد القتلى من المدنيين الأفغان إبان الاحتلال السوفيتي بحوالي 750ألف مدني و اخرين فقدوا بعضاً من أطرافهم بسبب الألغام الأرضية وغير ذلك من تدمير للمساجد والمنازل وقتل الحيوانات ويحلل البعض ما للأفغان عن قدرة فائقة في الدفاع والمقاومة ذلك لأنهم مؤمنون بالله . ويشير الكاتب إلى وضع ابن لادن هناك وكيف أن طالبان أعطته المأوى في البلد لما قام به من مساعدة الأفغان في طرد السوفيت و بعد طرد الغزاة السوفيت وبمساعدة أمريكا وباكستان تكونت خمس فئات متناحرة ،
إلا أن أمريكا والسعودية وباكستان سلمت طالبان على إحكام قبضتها على البلاد ، ويشير فندلي إلى ما قاله الكاتب باترسون من أن طالبان قد رحب بها الشعب أولاً إلا أنها نبذت ثانية لما لها من حكم متسلط جاف ينأى نفسه عن المبادئ الديموقراطية التي ذكرها القرآن ، كما أنهم جحدوا المرأة حقوقها ، ذلك الحق الذي كفله القرآن أيضا ، ويؤكد الكاتب على المواقف المعادية لطالبان بما قالته الكاتبة ليلا المارياطي في ديسمبر 1998م وكيف أنها ركزت على حرمان المرأة من جميع حقوقها في أفغانستان ، ويذكر الكاتب رأياً آخر يقوله حسن حتحوت مدير المركز الإسلامي بجنوب كاليفورنيا والذي يقول فيه : أن معرفة طالبان بالشوؤن العسكرية تفوق معرفتهم بالأمور الشرعية ، فلقد امتلكوا قلوبنا حين طردوا السوفيت وخذلونا عندما تأخروا ، وذكر المؤلف آراء آخرين يؤكدون حياد طالبان عن الطريق المستقيم ومنهم الشيخ موسى قطب رئيس المركز الإسلامي بشيكاغو ، ويسرد الكاتب فندلي الآراء المغايرة للموجه الساخطة على الأفغان فذكر على سبيل المثال ما قاله الربان طارق مجيد وهو ممن يعرف طالبان عن كتب : أن صيانة طالبان للمرأة من أن تخالط الرجل في جميع مجالات والحياة لهو جزء من الإسلام ، كما أن هذا هو الوضع الذي كان سائداً في أمريكا قبل الحرب العالمية الأولى ،
فهل يقول أحد إن أمريكا كانت آنذاك متخلفة ؟ ويقول يوسف زاي : إن الغرب لا يعرف ما يدور في أفغانستان ويشرح كيفية وصول طالبان للقوة بكل سرعة وكيف أنهم نشروا السلام في ربوع أفغانستان ، ونالوا الرضى من الشعب عامة وكيف أنهم ضموا غالبية الأرض لهم دونما قتال أو نزاع . >وفي الفصل الخامس يبدأ الكاتب بتوجيه اللوم على بعض المسلمين الذين يتسببون في تشويه سمعة الإسلام وهم الذين يقدمون رؤى باطلة وغير صحيحة عن نوع الحكومة وشكل المجتمع الإسلامي ، أو أولئك الذين يرتكبون أعمالاً منافية لتعاليم الإسلام ، ويذكر الكاتب أن هناك بعضاً من الطوائف قد تكون عدوانية في جميع الأديان ويستدل على ذلك بما جرى في إندونيسيا في عامي 98-1999م ويعلق المحامي ألن يو ، وهو جار للكاتب فندلي وهو المحامي الذي اعتنق الإسلام أخيراً ، يعلق أن يو قائلاً : أن سبب التعصب هو أن الإنسان لا يعرف الكثير عن الأديان الأخرى ، ولسوء الحظ فإن أغلب النصارى لا يعرفون الكثير عن الإسلام ومثل هذا النوع من الجهل يؤدي إلى التعصب ... .
>ويتحدث الكاتب عن صديق له في سن الثلاثين وكيف أن هذا الصديق أبدى امتعاضه مما يقوم به المسلمون في أفغانستان وأنه لا يوجد من يعترض على فكرهم ، وهل يظن المسلمون أن الناس لا يعرفون ما يجري هناك ؟ أم هل يظنون أن الأمريكان قد يعرفون وسرعان ما ينسون ؟ وعلى كل حال فإن الصديق قد أبدى انزعاجه إذا ما كان للمسلمين قوة سياسية في أمريكا خاصة وأنهم بعد بضع سنين سيزداد عددهم إلى الضعف هناك، وعندما غادر المكان صديقه الذي لم يذكر الكاتب أسمه عاد فندلي بذاكرته إلى الوراء متذكراً لقاءه مع الشيخ ديدات حينما كان في صحبته وقام ديدات بشراء كتابيه أحدهما للكاتب فندلي " من يجرؤ على الكلام" والكتاب الثاني عن نظام الحكم في الإسلام ، وتحدث الشيخ ديدات عن الكتاب الثاني قائلاً إن نظام الحكم في الإسلام يستمد كل أصوله من القرآن إذ أن القرآن يقدم لنا كل القواعد التي تسير إليها الحياة اليومية ، فالقرآن هو الإطار الذي عليه المعوّل في العلاقات الأسرية والجيرانية وكل الشعوب في العالم ، وكذلك الحكومات ... >وقد كنت أعتقد طيلة حياتي أن نظام الحكم في أمريكا هو الأفضل على الإطلاق ، وكنت أتسائل في نفسي هل يمنّى ديدات نفسه بعالم تسوده المبادئ القرآنية ؟ وفي عام 1996م سأل فندلي الكاتب الآخر أندرو باترسون عما كان يقصده ديدات بنظام الحكم في الإسلام ، فأجاب أن الحكم في الإسلام وهو المبني على الشورى وأن الحاكم يستمد قوته من موافقة الشعب عليه ومبني على الحفاظ على حقوق الشعب وأن اتخاذ القرار يأتي من مشورة الشعب ، كل ذلك هو ما تجده في نظام الحكم في أمريكا ، فالقرآن هو الذي يدعوا إلى حكومة ذات نظام ديموقراطيِ.ِ
ويرى الكاتب أن المسلمين مثلهم كمثل اليهود والمسيحيين والهندوس وأصحاب الديانات الأخرى يمكن لهم أن يعيشوا عيشة معينة في أمريكا ، ولقد رأى الكاتب لاعب كرة السلة محمود عبد الرؤوف بعد اعتناقه الإسلام وكان ولا يزال يقدم تحية العلم والولاء للوطن خاصة وأن بعضاً من القادة المسلمين قالوا:ِ
إن تحية العلم لا تتنافى مع القواعد الإسلامية ، ثم يشير الكاتب إلى بعضٍ من الحدود الشرعية مثل حد السرقة والزنا وكيف أن الإسلام بنى إقامة الحدود على وجود شهود عيان وأن السرقة لا يمكن أن تستوجب الحد لو أنها حدثت لحاجة ملحة من أجل الأكل للبقاء ، ولمح الكاتب إلى بعض الدول القليلة التي تقيم الشرع وهي السعودية وباكستان والسودان ، وأما غيرها فدستورها يتأثر بالقوانين الغريبة ، ولقد قام فندلي بالعودة إلى مذكرات توماس جيفرسون بمكتبة الكونجرس كي يرى ما إذا كان قد استفاد من القرآن أثناء كتابته للدستور الأمريكي ، ولم يجد الكاتب ولا حتى نسخة للقرآن في مكتبة الكونجرس ، ولكن وجد نسخة في مكتبة جيفرسون الشخصية دونما أي دليل يدل على استفادة جيفرسون من القرآن ، وهذا ما دعا الكاتب إلى حل اللغز لماذا يفضل المسلمون الذهاب إلى أمريكا دون غيرها كمهاجرين ، رغم أن عدد المسلمين هناك لا يتجاوز 3% وأن أمريكا أكبر بلد علماني في العالم ، هذا لأن أمريكا تطبق قوانين العدل والمساواة بين المواطنين ، والأمر ليس حبرا على ورق كما كان الحل في الاتحاد السوفيت المنحل الذي كانت له قوانين العدل والحرية والمساواة ، ولكن دون فعالية تذكر .
الحلقة الثالثة
تاليف بول فندلي
طالبان و الولايات المتحدة
قد يخطئ الأميركيون القليلو المعرفة بالإسلام؛ فيظنون أن حكم "طالبان" الذي يسيطر على معظم أفغانستان، ويدعو نفسه إمارة أفغانستان الإسلامية، هو عيِّنة مما ستكون عليه الحكومات ذات الطابع الإسلامي. ينجم سوء تمثيل حكومة "طالبان" للإسلام عن العوامل التالية:
إنَّ كلمة "إسلامية" تظهر في تسميتها الرسمية، ومعظم الأفغان يُنسبون إلى الإسلام، بمن فيهم قادة هذه الحركة؛ وقلَّما انتقدها زعماء المسلمين في الولايات المتحدة علناً لإساءتها استخدام كلمة "الإسلام"؛ والواقع أنه قلما انتقدوها علناً لأي سبب كان، قبل تدمير تمثالي بوذا، فضلاً عن أن تعليقات من احتجُّوا لم تُغَطِّها وسائل الإعلام الرئيسية. كل هذه العوامل ساهمت في تعزيز الفهم الخاطئ بأن حكومة "طالبان" في أفغانستان هي النوع الذي يود المسلمون إنشاءه في أماكن أخرى من العالم. وهذا تصور يزعج بشكل خاص الأميركيين، الذين يقلقهم كيف يمكن لمسلمي الولايات المتحدة أن يغيروا وجه أميركا إذا ما حازوا سيطرة سياسية. يصف "طالبان" أنفسهم بأنهم مسلمون، بيد أن انتهاكاتهم لحقوق الإنسان، ولا سيما حقوق المرأة، هي انتهاكات صريحة لتعاليم الإسلام يعمِّقها تقصيرهم في إيقاف الاتجار بالهيرويين. وقد اتهمهم أمين عام الأمم المتحدة كوفي أنان في تقرير له في العام 1999، "بالقيام بخروق منظَّمة جمَّة لحقوق الإنسان"، بما فيها "إعدام النساء والأطفال السريع". بَيْدَ أنّ هذا التقرير لم يحظ باهتمام يُذكر إن تقديم "طالبان" أنفسهم بأنهم حكومة دولة إسلامية يُرخي بظلاله على سمعة مسلمي الولايات المتحدة، والسبب، ببساطة، تصدُّر أخبار هذا النظام النشرات الإخبارية والعناوين الرئيسية للصحف.ِ
لقد كان من الحتمي أن تتماهى لدى غير المسلمين ممارساتُ حكومة "طالبان" مع الإسلام، بغضِّ النظر عن مدى تأثير العوامل غير الدينية، مثل العادات الثقافية والواقع الناشئ في منطقة تعيش حالة حرب، في تشكيل هذه السياسات. يستحق "طالبان" أن يوليهم مسلمو الولايات المتحدة الاهتمام الذي يتوخى النقد، لأن نظامهم ليس ما يدَّعونه. إذ لم يقيموا دولة إسلامية فعلاً، بل إن أيّاً من الدول الإسلامية لم تُقِمها بعدُ، رغم أن عدداً منها يستخدم كلمة "إسلام" أو "إسلامية" في تسميته، مَثَلُهم في ذلك مَثَلُ "طالبان". كتب مراسل هيئة الإذاعة البريطانية في باكستان رحيم الله يوسافزاي يقول: "لا توجد اليوم دولة واحدة إسلامية تماماً. فالكل "يجرب": "طالبان" والسعوديون والإيرانيون والسودانيون والباكستانيون .. إلخ". ويتنبأ بأنه من المستبعد اتخاذ نظام "طالبان" نموذجاً يقلِّده المسلمون حيثما كانوا في العالم". بيد أن توكيده هذا لا يبدد على الأرجح قلق غير المسلمين في الولايات المتحدة.ِ
فقلّة من الأميركيين تستمع بانتظام إلى نشرات أخبار الإذاعة البريطانية، والعديد منهم باتوا قلقين متخوفين من نمو عدد السكان المسلمين في أميركا. بين الشورى والنظام الدستوري أعتقد أن معظم الأميركيين غير مدركين للروابط المشتركة بين الحكم بالشورى -أي إجماع العامة- المنصوص عليه في القرآن (الكريم) وبين النظام الدستوري الأميركي. ولا يعرفون أن النظامين يتوافقان ويتكاملان من حيث البنى الديموقراطية. من هنا، ينقادون إلى استنتاج خاطئ مفاده أن أفغانستان التي يحكمها "طالبان" هي فعلاً دولة إسلامية. والجدير ذكره أنَّ جمهورية اليمن، وهي بلد مسلم، قد تكون الأقرب إلى أن تكون دولة إسلامية، بسببٍ من تقدمها المطَّرد نحو إرساء بنيةٍ ديموقراطيةٍ تشبه، إلى حدٍّ مدهش، الحكم الاجتماعي، من الشعب، وبواسطة الشعب، ومن أجل الشعب؛ وهذه غاية الإسلام المعلنة بجلاء. وباستثناء جمهورية اليمن، يحكم البلدان الإسلامية عادةً الملوك أو الجنرالات أو المستبدون. والنظام اليمني استثناء، إذ إن الشعب ينتخب الرئيس ومجلس النواب مباشرة، بحيث يقوم توازن بينهما، ويكون كل منهما رقيباً على الآخر. إلاَّ أن هذه التطورات نحو قيام حكومة استشارية لا يلحظها أحد خارج حدود اليمن. لقد فهمت الوضع في هذه البلاد عندما قمت بخمس رحلات إليها، وقد قمت بالرحلتين الأولَيَيْن عندما كنت عضواً في الكونغرس. لم أزر أفغانستان قط، لذا تأتي معلوماتي وفهمي للأوضاع فيها، استناداً إلى آخرين.ِ
لقد قمت بتكوين نظرة متوازنة لعامل "طالبان" عبر دراسات وقراءات واسعة، كما تكلَّمت مراراً ومباشرة مع عدة مسلمين ومسلمات يعرفون المجتمع الأفغاني، واستشرت أناساً قابلتهم في أوقات مختلفة خلال مسيرتي الطويلة مع الإسلام. هناك خمسة رجال كانوا مصادري الرئيسية: أحدهم أندرو باترسون، الذي كان قد أنهى لتوِّه دراسة عن أفغانستان وتاريخها؛ وثانيهما محمد بشار دوست، وهو طبيب لاجئ من أفغانستان، وجارنا الأقرب خلال سنواتي الأخيرة في الكونغرس. وفي كانون الثاني (يناير) من عام 2000، أرسلت لهذا الأخير رداً على بطاقة تهنئة بالعطلة كانت قد وصلتني منه، وأعلمته أنني أؤلف كتاباً عن مسلمي الولايات المتحدة سيتضمن فصلاً عن أفغانستان. فبدأ يزوِّدني بالمراجع والمصادر والوثائق. لقد أكَّد لي أن لا علاقة له البتة بـ"طالبان" أو غيرها من الحركات السياسية داخل البلاد، لكنه يرغب في مدِّي بفهمٍ صحيحٍ لمعاناة بلده الأم، ولمساعي إعادة البناء الجارية فيه. حتى إنه عرض تمويل رحلة أقوم بها إلى أفغانستان، بحيث أتعرَّف مباشرة إلى أوضاع الأفغان، وهي دعوة رفضتها بسببٍ من ضيق وقتيِ.ِ
والمصدر الثالث هو سعيد أحمد بط من لاهور، في باكستان، وهو موظف متقاعد في السلك الخارجي، تعرَّفت إليه عندما استأذنني بترجمة كتاب "من يجرؤ على الكلام" إلى اللغة الأردِيَّة ونشره، وقد منحته الإذن. وجعلني تعاملي المطوَّل معه أدرك أنه مراقِبٌ مؤهَّل للقضايا والتيارات الأفغانية. كما ساعدني على الاتصال بمصدرين باكستانيين قيِّمين في الشؤون الأفغانية، وهما: يوسفزاي من الإذاعة البريطانية، وطارق مجيد، وهو كاتب وعميد بحري متقاعد في البحرية الباكستانية. إنَّ مراسلاتي مع هؤلاء، إلى جانب أبحاثي حول الموضوع، جعلتني أقتنع بأن نظام "طالبان" هو غير إسلامي من وجوهٍ عدةٍ مهمةٍ، على الرغم من الإنجازات التي حقَّقها على صعيد الإعمار. ورغم شجب الإسلام الشديد للمخدِّرات، يعتمد اقتصاد طالبان والاقتصاد الأفغاني اعتماداً كبيراً على إنتاج الهيروين والأفيون محلياً وتسويقهما في الخارج. وتشكل المخدِّرات أكبرَ مصدرِ دخلٍ من صادرات أفغانستان. يمنع النظام تعاطي الهيروين محلياً، لكنَّه لا يتخذ إلاَّ خطوات شكلية لإيقاف الإنتاج من أجل التصدير. وطالما كانت النوعية الممتازة للهيروين الأفغاني ذات شهرة أسطورية، فضلاً عن أنَّ إنتاجه المزدهر. ففي عام 1997، وبعد أن أحكم "طالبان" قبضتهم على معظم البلاد، ازداد إنتاج أفغانستان من الخشخاش بمعدَّل 25 % أكثر من السنة المنصرمة. ويصر "طالبان" على أن إنتاج الخشخاش أساسي لبقاء المزارعين الفقراء على قيد الحياة. وانسجاماً مع ذلك، لم يستخدموا قوتهم الأمنية الهائلة لوضع حدّ لتجارة المخدرات. ويفنِّد بيتر مارسدِن في كتابه "طالبان" ذاك التوكيد الحكومي، فيكتب قائلاً: "ادَّعى "طالبان" في أحدث تصريحاتهم أن المزارعين الأفغان مضطرون بسبب من الفقر إلى زرع الخشخاش".ِ
لكن الحقيقة، كما قال، هي أن الفقراء لا ينتفعون إلا عندما يحتاج ملاّكو الأراضي الكبار إلى عمالة يومية لأرضهم، أو عندما يطلبون من المزارعين الصغار مدَّهم بإنتاجهم لتلبية طلبات غير متوقعة من السوق فالأغنياء الأفغان هم الذين يتحكمون بمعظم إنتاج الخشخاش، وكذلك بتصنيع منتَجاته الجانبية وتصديرها إلى الأسواق الأجنبية. التمييز ضد النساء على صعيد آخر، نجد التمييز ضد النساء، ظاهرة متفشية، قديمة العهد، وتشكل انتهاكاً صارخاً لتعاليم الإسلام. ويورد باترسون معلومات عن أنَّ "طالبان" بدأوا يضعون موضع التنفيذ في أوائل 1999 الأنظمة التالية على سكان "كابول" وغيرها من المناطق الواقعة تحت حكمهم: ـ ممنوع على النساء مغادرة بيوتهن إلا برفقة رجل، حتى في حالة طوارئ تتطلب الاستعانة بطبيب أو الانتقال إلى مستشفى. ـ ممنوع أن يقوم طبيب بمعالجة النساء إلا نادراً، رغم النقص الحاد في عدد الطبيبات. ـ ممنوع عمل المرأة خارج البيت إلا في عدد من أنواع الأعمال يحدِّدها "طالبان". ـ على المرأة، عندما تكون خارج بيتها، أن تُرخِيَ برقعاً يحجب وجهها. ـ المدارس الحكومية للذكور فقط، فلا وجود لمدارس البنات إلا على الورق. ـ يجب على كلِّ الذكور الالتحاء، وإقامة الصلوات الخمس في المسجد يوميّاً في مواقيتها. ـ أجهزة التلفزة محرّمة بموجب القانون. ويشير باترسون إلى أن الإسلام لا يفرض أنظمة كهذه أو يوجبها؛ بل إن معظمها ينتهك مبادئ حقوق الإنسان التي نص عليها القرآن الكريم.ِ
وقد نشأت هذه الانتهاكات، أساساً، عن تصميم "طالبان" على استبقاء التقاليد اللادينية، التي ازدهرت في أفغانستان قبل زمن من وصول الحكم الحالي إلى السلطة، والتضييق عليها في آن. في طليعة هذه التقاليد، الهيمنة الذكورية على الحكم وعلى التعليم وعلى التوظيف في القطاع الخاص. وفيما لا يمكن لأيٍّ شيء تبرير اشتراك "طالبان" في تجارة المخدرات أو القيود الثقيلة التي فرضوها على النساء، فلا مناص من الإشارة إلى أنهم يسيطرون على بلاد يُعتبر الجفاف والقسوة الطابع المميز لظروفها الاقتصادية، ولحيّز كبير من تاريخها، ولتضاريسها الجغرافية أيضاً.ِ
ويصف باترسون أفغانستان جغرافياً بأنها واحدة من أكثر البلدان انعزالاً وبعداً وجبالاً في العالم: "لقد عانى أفراد شعبها الأمرَّين عبر التاريخ، وتحمَّلوا ظروفاً معيشية صعبة. كما تعرَّضوا أحياناً للمذابح الوحشية، ومراراً لاعتداءات عسكرية، فيما كانت خريطة البلاد السياسية تتغيَّر. وفي القرن الثالث عشر، أنشأ "هولاكو"، حفيد "جنكيزخان"، جيشاً جرَّد معظم المناطق من أهلها، وذبح مئات الآلاف منهم، ودمَّر مدناً ونُظُم ريّ مُتقنة، تدميراً كاملاً". "ولطالما شكَّلت أفغانستان المحاطة بالبرّ، وبجيران يختلفون عنها حضارةً وديانةً، تقاطع طرق لغزوات عسكرية دموية متكرِّرة. لقد ظلَّت سنين طويلة تحت الحكم الفارسي، ثم غزاها البريطانيون.ِ
وخلال السبعينات تعاظم فيها النفوذ السوفياتي". "تتألف حركة "طالبان" من شبان ملتزمين، أفظاظ، عددهم عشرون ألفاً على الأكثر، قضى معظمهم فترة الصبا لاجئين في شمالي باكستان، خلال سنوات احتلال القوات السوفياتية معظم أفغانستان. وقد درسوا في مدارس دينية أنشأها البريطانيون في بيشاور قبل أن تصبح باكستان دولة مستقلة؛ وهناك كانوا يقضون السنوات الستَّ الأولى من دراستهم في التعليم الأساسي، تعقبها سنتان من التأهيل الذي كان يشمل التلقين الإيديولوجي، المسؤول عن تنمية التعصّب حيال كل من يدينون بديانات أو قوميات مختلفة، ما يشكّل انحرافاً عن المعايير الإسلامية. أما السنتان الأخيرتان في تلك المدارس، فكانتا مخصّصتين للتدريب العسكري". كانت الفكرة التربوية الرئيسية، في تلك الفترة، فكرة أملتها سياسة "فرِّقْ تَسُدْ". وقد عرض لها باترسون بقوله: "لقد قصد البريطانيون من وراء إنشاء هذه المدارس تنمية العداوات الطائفية بين أتباع الديانات المختلفة وتغذيتها. كانت غايتهم إيجاد نزاع يساعدهم على تبرير الهيمنة البريطانية الكلية على الهند، التي كانت تشمل آنذاك باكستان المعروفة اليوم. ومن أهدافهم الرئيسية تغذية العداوة وانعدام الثقة بين المسلمين والهندوس. وقد أنشأوا المدارس في المنطقة التي أصبحت فيما بعد باكستان، حيث كان يتلقّن الطلبة المسلمون ما ينمّي تعصّبهم حيال الهندوس، كما أنشأوا مدارس في مناطق أخرى حيث كان يتلقّن الطلبة الهندوس ما ينمّي عدم ثقتهم بالمسلمين.ِ
وأشار "باترسون" إلى التغيُّر الذي حصل في التوجُّه إثر غزو السوفيات لأفغانستان، حين أصبح الشبان اللاجئون الأفغان الفئة الغالبة في مدارس بيشاور، فقال: "لقد أُسقِط محور المعاداة للهندوس من روزنامة التلقين العقائدي، واستبدلت به تعاليم العداء للغزاة السوفيات وللمتعاملين معهم من الأفغان"(4). السوفيات في افغانستان أتى التغيير في محله تماماً. فقد قامت القوات السوفياتية باعتداءات وحشية في طول البلاد وعرضها، بما فيها المناطق الريفية، خاصة ضد القياديين المسلمين والمؤسسات الإسلامية. ولا يدرك الغرب مدى الخراب الهائل والتدمير اللذين لحقا بالممتلكات، مما يعود جزئياً إلى الحظر الذي فرضته وكالة الاستخبارت الأميركية على وجود وسائل الإعلام الرئيسية، وتغطية الأخبار من مواقعها. لقد كانت المذابح التي ارتكبت في أفغانستان ضد شعبها أكبر بكثير من المذابح، التي حصلت في أوائل التسعينات وأواخرها، على أيدي القوات الصربية ضد مسلمي كوسوفو والبوسنة في يوغوسلافيا، والتي حظيت بتغطية إعلامية جيدة.ِ
يقدَِّر الصحافي بروس ريتشاردسون أن مليوني أفغاني، معظمهم مدنيون من المناطق الريفية، قد قتلوا على أيدي السوفيات خلال العقد الذي احتلوا فيه البلاد، وأصبح 750000 مدني آخر تقريباً معوقين، إذ كانوا ضحية انفجارات الألغام الأرضية؛ وسوِّي بالأرض مليون بيت ريفي وأحد عشر ألف قرية، مع عدد مماثل من المساجد، وزهاء ثلاثة آلاف مدرسة ابتدائية؛ كما نفق أكثر من مِائة وسبعين ألف جواد وخمسة عشر مليون رأس من الغنم والماعز، وزهاء مليوني رأس من الأبقار. لقد اتبع السوفيات إحدى طريقتين لتدمير قريةٍ ما وتقتيل سكانها: إما أن تُشَنَّ غارة جوية عنيفة، ثم تقوم الطوافات السوفياتية بالتحويم فوق المكان وتستعمل رشاشاتها لقتل الهاربين من بين الركام؛ أو تقوم المدفعية السوفياتية وقاذفات الصواريخ بقصف كل الأبنية وتدميرها، ثم تجتاح المنطقة القوات السوفياتية وقوات جمهورية أفغانستان الديموقراطية -نظام الحكم الذي يديره السوفيات- وتقتل كل من بقي حياً من القرويين بين الخرائب؛ ثم تُسَمِّم الآبار، وتُفَخِّخ الجثث، وتزرع الألغام في الأهراء، لتضمن قتل أو جرح كل من يحاول دفن الموتى أو الحصول على شيء من المحاصيل النادر وجودها
من جهته، يعتقد سعيد أحمد بط أن العقيدة الدينية اضطلعت بدور رئيسي في المقاومة الأفغانية، إذ يقول: "من المحتمل أن يرد الشعب الأميركي الفضل كله للمعدات العسكرية التي أمَّنتها حكومته (للمقاومة). لكنه يتناسى حقيقة مهمة، وهي أن الولايات المتحدة ظلت على مدى سنتين ونصف السنة تمتنع تماماً عن إرسال الأسلحة، بل لم تعلن أي التزام بالمساعدة من قِبَلِها. فاستولى الأفغان على الدبابات وبطاريات المدافع السوفياتية، وعلى ملايين من الألغام، إلى جانب انتصارهم على قوات حكومة كابول الشيوعية، مستندين في ذلك فقط إلى إيمانهم القوي بالله، وإلى عقيدتهم السامية. "ويكاد يكون من المستحيل على الصحفيين الغربيين أن يفهموا الروحية التي تسيِّر المقاتلين الأفغان. وكيف يمكنهم ذلك ؟ فلو كان لدى الشعب الأفغاني القيم الاجتماعية نفسها والسلوك الجماعي الذي يعتبره المراقبون الغربيون طبيعياً، لما نجحوا قط في تحمل الغزو السوفياتي على مدى عشر سنواتٍ طوالٍ، ولما استطاعوا، في النهاية، إجبار القوات السوفياتية على الانسحاب. إن هناك ما غذَّاهم، ودعم صمودهم خلال تلك المعاناة الفظيعة.ِ
نواصل
مرحبا بكم في حليمة... دائمَا تجديد متواصل .. مقالات قمة في الرقي وجدية في الطرح .. نسعي لتقديم خدمة ثقافية وادبية ترفع من مستوي القاري . |