Free Web Hosting Provider - Web Hosting - E-commerce - High Speed Internet - Free Web Page
Search the Web

بمناسبة عودة الجنيه السوداني (3)   

المائة جنيه بدلاً عن الامهار، صارت ثمن الكوافير البلدي..!!

سيد الحيشان التلاتة أصبح حائراً يبحث عن إيجار الغرفة..!!

تكلفة زواج الشيخ الشهير في أغنية "الشيخ سيرو"تفوق ميزانية جمهورية السودان اليوم..!!

تصوروا أن تكلفة صندلية عرس ود الشيخ 362880 ريال سعودي فقط...؟؟

أغنية الشيخ سيرو توضح أن الجنيه السوداني كان علي حافة هاوية..وخطا الخطوة الوحيدة إلي الأمام..!!.

الإذاعة والتغيير الاجتماعي الايجابي: الخطان المتوازيان..

الغريب في الأمر أن مبلغ المائة جنيه يتردد ذكره كثيراً. فابن البادية يغني في أغنية الليلة سار، ويقلب موازين الأمور تماماً:

الليلة سار يا عشايا عديلة ليه

 شويم شال الجداية عديلة ليه

ود الحيشان التلاتة

عريسنا جالس بانبساطة

 فج الجيل ألفي السباتة

عروسو ضاوية السباتة

 رقصت ليهو مسك حجباته

جابت قونين ببساطة

 عديل ليه دفع المية للمشاطة

تعكس الاغنية السابقة ادبيات عديدة كانت سائدة لفترة طويلة في المجتمع السوداني:

اولاً السكن الفسيح المريح، حيث عدد حيشان أسرة العريس بعدد مدن العاصمة المثلثة أو القومية. قد يكون حوش الأسرة الكبيرة ثم حوش الخيلان ثم حوش الخالات..الخ. وقد تكون حيشان العريس الريفية والعاصمية ثم العواصم-الاقليمية. الأمر الذي ينعكس علي حالة الانبساط النفسية للعريس والتي قد تكون لها أسباب أخري، سنعود لها لاحقاً. (بالله لو كان ده وضعك كان ممكن تهج وتترك بلدك وتغترب؟ لو كان الأمر كذلك، لما حضر معظمنا إلي الخرطوم دي ذاتها..)

فجأة صار (الإشْفة) وهو الابرة الطويلة المنتهية بقاعدة خشبية و(بلل) الدلكة او المحلب أو الشاي السادة المسيخ) ومعه عبارة: الحَلَة والبَلَة ومشاطك عليَّ ودِهْنَك علي الله) التي تبتدر بها الماشطة عملية المشاط، تستحق المائة جنيهاً بالتمام والكمال..!!

 أي منقلب انقلب الجنيه السوداني؟؟

لن نستطيع الافتاء بالفترة الزمنية التي تم تأليف هذه الاغنية فيها. ثم هل يمكن اخذها كاداة توثيقية وان المعلومات الواردة فيها دقيقة ام هي مؤشرات اجتماعية نحتاج الي الوقوف عندها ودراسة دلالاتها وانعكاساتها..

ورغم السيناريو الكروي الطريف  بين العروسين، إلا انه لا يعنينا في هذا السياق كثيرا وقد نعود له لاحقاً وان كان له دلالته الزمنية في الستينات والسبعينات حينما كانت الكرة السودانية الأفضل في القارة السمراء، الامر الذي قد يسهل عملية تتبع الوقائع المذكورة في هذه الاغاني..

الغريب في الأمر أن الشاعرات، واغلبهن مجهولات, تغنين لكل مستلزمات الزواج من شيلة وكوافير بلدي، ولم يتطرقن علي الإطلاق إلي المهر. ولعل مرد ذلك إلي أن المهر شرعاً من نصيب الممهورة(وهذه الكلمة من عندي)، إلا إنها في اغلب الأحيان لا تراه ولا يتم استئذانها في إنفاقه. علي الرغم انه لم يكن هناك حاجة إلي الكذب بخصوص المهر كما يحدث الآن، حيث يكتب في القسيمة مبلغاً رمزياً، إلا إن كلتا الشاعرتين أو الشاعرين في هاتين الأغنيتين لم تتطرقا (يتطرقا) للمهر. للشيلة القدح المعلي في الإشادة. وللإذاعة دور كبير في نشر البذخ في أصقاع الريف السوداني. ولعل هذا يعكس دور الإعلام في التغيير الاجتماعي سلباً أو إيجابا.  فقد تغنت كل اقاليم السودان الشمالية باغنية الشيخ سيرو، وحسدت  نسيبة الشيخ علي لواري الشيلة التي جاءتها (تتقنت):

 تلاتة قدور صندلية

 تلاتة قدور محلبية

وجاب معاها الريحة نية

 نسيبتو قالت شوية

 وحرمان ما يدخلن عَلَيَا

 هذا خلافاً ل:

غنت ليك السرارة

قالت الشيخ وارث الشطارة

 يومو الدخل البقعة  جالا

 وكمل قماش النصاري

كما تتطرق الأغنية لاحقاً..

خيراً عملت الشاعرة حينما حافظت علي حقوق ملكيتها الفكرية وذكرت اسمها صراحة في القصيدة (السرارة).

القدر في العامية السودانية، حسب علمي المتواضع، هو الصفيحة زنة 36 رطلاً. تخيل صفيحة زنة 36في ثلاثة عدد الصفائح في 12 عدد الأوقيات في 280 ريال قيمة الأوقية عند يحي اليماني بمعرض السعادة بالبطحا، يصير الإجمالي: 362880 ريال سعودي فقط..ونجد أن المقابل بالجنيه السوداني حالياً يساوي( 243129600) فقط بتعاملات اليوم..ايوة فقط. هذا الرقم المذكور أمامك هو ثمن الثلاثة قدور صندلية..قد لا تكون مكلفة انذاك كثيراً.. اذكر ان الريال السعودي كان في عام 1994 يساوي 25 قرشاً سودانياً، بمعني أربعة ريالات سعودية تساوي واحد جنيه سوداني..!!

 أرجو إحصاء باقي الريحة اللينة واليابسة، لان مقدرتي الحسابية وإلمامي التام بأسعار العطور،  باستثناء الصندلية، لا يعتمد عليها كثيراً.. عرس بميزانية بلد.. هذا خلافاً للمطامير التي استهلكها الزافون، والزمن الذي استغرقته الطواحين البدائية آنذاك في طحن الذرة:

تلاتة  أرادب غدا

تلاتة أرادب عشا

ود الشيخ قلب الكِفا

ود الشيخ مصطفي

العقد الدم بالعصا

ولمعلومية القارئ الكريم فان الاردب يساوي جوالان كبيران زنة اثني عشر كيلة أو ثلاثة من الجوال زنة الثمانية كيلات وان الكيلة التي اعرفها بها ربعان وان الربع به ملوتان (كل ملوة تعادل نصف ربع). لن استطرد وأقول إن الملوة بها أربعة تُمَن  وان الكيلة بها ستة عشرة تُمْنة. يبدو أن هذه المقاييس لحقت الفريني (أم قرشين) أو أب خمسة(الخمسة قروش) التي قد توجد في دار الوثائق لدي المرحوم أبي سليم أو في الهيئة القومية للآثار، بطرف خلفاء البروفيسور حاكم محمد احمد.

أشياء ليست من الماضي..يجعلها مقتضي الحال السياسي، نسياً منسياً، ثم يحاول نبشها وإعادتها إلي الحياة.. وبين الموات والحياة.. تسقط معارف كثيرة لجيل ليس بيننا وبينه حاجز زمني كبير..

والتركيز علي وجبة الكسرة في أغنية الشيخ سيرو تذهب بنا إلي حقبة نهاية منتصف السبعينات الممتدة إلي نهاية الثمانينات، حيث لم يكن الريف يعتمد علي الرغيف في وجباته الغذائية. وبالتالي لم يعرف مخاطر برومينات البوتاسيوم المستعملة في تحسين شكل الخبز والتدني بقيمته الغذائية.

ما لم تقله الشاعرة صراحة وتعكسه الأغنية بكل وضوح، هو أن السودان كان يفيض بخيراته الزراعية، وان الاكتفاء الذاتي من لقمة العيش الكريم كان مكفولاً لجميع الناس، علي مختلف طبقاتهم الاجتماعية. كان المعازيم يجلسون في بيت العرس ما طاب لهم الأمر وكان العرس والبكاء يمتدان إلي أكثر من أربعين يوماً حيث يولم للعريس وأصحابه كل يوم ويأكل جميع أفراد أسرته علي أهل العروس. أما اليوم، فإن الناس صارت تحمل أوقية سكرها وقطعة صابونها معها،  فيما أطلق عليه البطاقة التموينية، أينما حلت.. وبدلاً عن الحيشان الثلاثة، صارت السكني مائتي متر وبالإيجار الباهظ التكلفة..

لم يكن هناك شتات أو دياسبورا كما هو الحال عليه اليوم، حيث أن (كل الخلوق) صارت فارَّة تبحث عن الأمان في جواز السفر الأجنبي..

اما القيمة الاقتصادية للجنيه السوداني..فحدث ولا حرج.. يكفي أن الذهنية الشعبية لم تعد ترغب بها وأعلنت الإضراب عنها صراحة وان الذهنية الرسمية استبعدتها عن التعاملات الرسمية (بكل قوة عين) وبين الاثنين وقع الجيب أو (قفة الملاح) في الفخ..وجاء العجين في المقدمة وطار نوم العين..كما يقول فرح ود تكتوك في حوار بينه وبين العيش. يقال وقف الرجل بكل احترام أمام سُْويبته(المخزن التقليدي البلدي المفتوح من اعلي) وخاطب العيش قائلاً: يا الباكل فيك

 وكل يوم بصبح مشتهيك

أبيعك ولا أخليك

فرد عليه العيش حسب الرواية:

كان بعت نوم عينيك

أنا مالي بيك

اللهم ابعد عنا هاجس العيش، وانزل سكينتك علي أفئدتنا المفزوعة.. آمين..

ودمتم