بمناسبة صدور
قرار العقد الدولي للمياه
شح المياه يلقي بظلاله علي مستقبل
النساء...
حليمة محمد عبد الرحمن
للأرقام لغة لا تحتاج إلي محسنات بديعية او لفظية..
فالقوة التي تتمتع بها
تطغي علي كل إشكال الكتابة قوة وضعفاً. وحينما يتعلق الوضع
بالمياه يكون
للأرقام وقع خاص. كلما تعمقنا في معرفتها كلما ما رسخ يقيننا بأهمية
النعمة التي بين يدينا ونما لدينا الوعي بأهمية المحافظة
عليها. لكن دعونا
نستعرض الأرقام التالية التي أخذناها عن أنا ايلانا اوباندو، في مقالها
المنشور بويمنز هيومن رايتس نيت، بتاريخ نوفمبر 2003م.
أرقام وحقائق... الخطر القادم
هل تصدق أن 2,4 بليون شخص في العالم أي ما يعادل خمسي
سكان العالم لا
يملكون الوسائل الكافية التي تمكنهم من الوصول إلي المياه الصالحة
للاستعمال. وفي نفس الوقت لا يستطيع 1,1 بليون شخص من
سكان العالم أي ما
يعادل سدسه الحصول علي مياه الشرب النقية.. يموت جراء ذلك 2,2 بليون شخص
في الدول النامية سنوياً، معظمهم من الأطفال وذلك بسبب
الأمراض المرتبطة
بنقص المياه النقية وسؤ الأحوال الصحية.
يمتد مسلسل الأرقام ليتناول معاناة النساء في كل من
إفريقيا واسيا. يبلغ
متوسط المسافة التي تقطعها المرأة يومياً لتجلب المياه، حوالي 6
كم. والادهي والأمر أن حجم
المياه التي تجلبها النساء علي رؤوسهن، يعادل الحد
المسموح به من حمولة العفش المسموح بها في تذاكر الطيران
وهي 20 كلغم.
من المفارقات أن الإنسان في الدول النامية يستخدم حوالي
10 لترات من المياه
في اليوم، بينما يقفز نصيب الفرد في المملكة المتحدة إلي 135 لترا
في اليوم الواحد.
كما أن مقدار المياه التي تسكب عند سحب خزان المياه في
دورة المياه، في
المرة الواحدة، يعادل الاستهلاك اليومي لشخص في العالم الثالث من حيث
الاستحمام والنظافة والشرب وإعداد الطبيخ.
في السنوات العشر الماضية، فاق عدد الأطفال الذين ماتوا،
من الجنسين نتيجة
أمراض التدهور البيئي كالإسهال، مجموع ضحايا الحرب العالمية الثانية.
أما في الصين واندونيسيا والهند فان عدد الأشخاص الذين
يموتون جراء الإسهال، يفوق عدد الأشخاص الذين يموتون بسبب الإيدز إلي الضعف.
وفي كينيا، يدفع سكان نيروبي، خمسة أضعاف ما يدفعه
المواطن في أمريكا الشمالية، لشراء اللتر الواحد من المياه.
هناك تجارب صغيرة رائدة في مجال تحسين الأوضاع الصحية
كانت لها نتائجها
الباهرة في حياة الناس. ففي عام 1998 أدي مشروع "غسل اليدين" الذي تبنته
غواتيمالا إلي خفض نسبة الوفيات وضمن النجاة لما مجموعه
322000 شخصاً. مبدأ النظافة
الشخصية ونظافة البيئة الصغيرة وهي المنزل، وتوفير دورات
المياه، كان بالا مكان أن يجنب أكثر من 1,5 بليون شخصاً
في العالم، مخاطر
الالتهابات الطفيلية التي يسببها ترك القاذورات الصلبة في العراء دون
طمرها . هذه الالتهابات قد تتسبب في أمراض سؤ التغذية،
والأنيميا وبالتالي
تؤثر في مختلف مراحل نمو الأطفال.
التدهور البيئي وزيادة استهلاك المياه...أهم الأسباب
يأتي الاهتمام بالمياه من منطلق التدهور الحاصل في
النظام البيئي،
والزيادة المفرطة في استهلاك المياه، والتلوث وزيادة الملوحة في مصادر
المياه، ومما يضاعف الوضع، الفقر المدقع والعوز الذي
تعاني منه كثير من
مناطق العالم.، الأمر الذي قد يؤدي إلي كارثة ببيئة إن لم يتم تلافيه قبل
فوات الأوان. فانعدام أو قله المياه في بعض مناطق العالم
تهدد مياه الشرب
وبالتالي تشكل انتهاكاً صريحاً لحقوق الإنسان في الحياة الكريمة من إيواء
ودواء وتعليم واستقرار.
بما أن المياه هي أساس الحياة الإنسانية الكريمة،
وبالتالي المطلب
الإنساني الأول ، فانه من واجب كل إنسان حماية هذا المصدر الحيوي الهام.
فالماء مثله مثل الهواء ارث ثقافي عام ، ليس خريج
المختبرات العلمية
الغربية أو نتيجة الأمطار الاستوائية الغزيرة، لكنه هبة إلهية يجب علي كل
شخص المحافظة عليه. كما انه من المصادر التي يمنع الناس
من احتكارها بغرض
التعامل الربحي معها. وتعتبر منظمات مثل القات والنافتا وغيرهما من
المنظمات الدولية، أن المياه خدمة إنسانية بسيطة يجب
إبعادها والنأي بها
عن معايير المكاسب التجارية أو الربحية.
النساء والأطفال...ضحايا شح المياه
تعد النساء والأطفال من أكثر الفئات تضررا بشح المياه.
وتفيد إحصائيات
الأمم المتحدة أن 1.2 بليون من المجموع الكلي لسكان العالم من الإناث
(النساء والبنات) تعوزهم الوسائل الفعالة في الحصول علي
مياه الشرب النقية.
وأوضحت التحريات أن النساء هن أكثر الشرائح المعنية
بأزمة المياه في معظم
المجتمعات النامية، وذلك لأنهن في معظم الأحيان، يضطلعن بمهمة
توفير مياه الشرب
التي قد تأخذ منهن أكثر من 8 ساعات في اليوم، أي دواماً كاملاً.
يقطعنها جيئة وذهاباً، فيما لا يقل عن ثمان واو عشر
كيلومترات. والمؤسف ان
الكميات المجلوبة لا تزيد في كل مرة عن 15 أو 20 لتراً من
المياه في كل رحلة،
حسبما ما أوردته صحيفة ويمنز هيومن رايتس نيت، في احد أعدادها، قبل
عامين.
مثل هذه الأوضاع المعيشية لها دلالاتها الصحية علي
النساء. فالمجهود
المضني لا يعادل بأي حال من الأحوال التنمية غير المتوازنة التي يتسبب
فيها نقص المياه عرقلة نهضة هذه المجتمعات التي تشكل
النساء نصف المجتمع
فيها من حيث العددية. بل إن آثاره السالبة لا تلقي بظلالها بقوة
علي حرمان هؤلاء
النساء من حضور فصول التعليم أو محو الأمية، تشكيل الخارطة
الاقتصادية والاجتماعية والسياسية العامة للدولة فقط،
إنما يسلبهن حقهن في
التمتع بأوقات فراغ أو الحنين إلي الرفاهية، التي يصير الحلم
بها ضرب من ضروب
الخبل..
وفقاً لما أوردته بعض تقارير المنظمات الإنسانية، أن
النساء، إلي جانب
قيامهن باستخدام الغطاء النباتي الغابي في استخلاص النباتات الطبية، يقمن
أيضا بزيادة دخول أسرهن والذي يعتمد بدوره، علي توفر
إمدادات المياه
النقية في النظام البيئي. ففي حالة تدهوره، يتدهور المستوي المعيشي للأسرة
وتصبح حياة النساء الشخصية عرضة للمخاطر أكثر عن ذي قبل.
علي سبيل المثال: "ان توفر
واختيار المراحيض المناسبة، له تأثيره العظيم عل النساء. ففي
الكثير من المجتمعات، تضطر النساء إلي قطع المسافات
الطويلة للانتفاع بهذه
المنافع، معرضات سلامتهن الشخصية لمخاطر العنف الجسدي والتحرش
الجنسي.. وفي المناطق الريفية،
التي قد تنعدم فيها دورات المياه، يجبر انعدام
الغطاء النباتي والجفاف والتصحر النساء والبنات علي
الاستيقاظ في ساعات
الصباح الباكر وقطع المسافات الطويلة بحثاً عن الخصوصية التي
تمكنهن من قضاء
حاجتهن. ولا يختلف حال النساء الفقيرات المتواجدات في ضواحي المدن،
عن النساء في الريف.
لا يقف الأمر عند هذا الحد، فمن بين كل عشرة طالبات
إفريقيات، هناك من
تتغيب عن الدراسة أثناء دورتها الشهرية أو تتوقف تماماً عن الذهاب إلي
المدرسة لعدم وجود متطلبات المرحلة الصحية في المدرسة من
قطن وصابون وخلافه.
ناهيك عن الانعدام التام للمرافق الصحية الخاصة و النظيفة في
المدارس.
اختلاف المطالب ...وحدة الهدف
هذه المصاعب الخاصة بتوفر المياه والتي دخلت مرحلة
انتقاص الحقوق
الإنسانية، حدت بالبنك الدولي وصندوق النقد الدولي إلي منع تحويل خدمات
المياه إلي ملكية خاصة في العديد من البلدان ووضعتها
كشرط أساسي لمنح
القروض أو منعها، وذلك لنتائجه الخطيرة علي السكان قاطبة، وعلي النساء
بوجه خاص.
وفي الوقت الراهن يدافع كثير من الناس عن المياه بوصفها
مطلباً أساسيا، يجب
عدم تضمينه في الخلافات السياسية أو إدراجه تحت بند السلع. وذلك لان
مثل هذه السلوكيات، إن وجدت ثغرة أطلت منها ، لن تكتفي
بالربح البسيط، بل
ستعمل علي إدراج المياه رسمياً تحت بند السلع، أو الاستثمار أو التستر
بمظلة المجتمع الدولي أو الإقليمي أو الاتفاقيات
المشتركة لتحقيق إغراضها. كما أن
ذلك يعد انتهاكاً صريحاً للحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية
والقوانين الدولية الاخري و تضع كل سكان العالم تحت رحمة
الابادة البيئية
الدولية بسبب قلة الموارد الطبيعية.
الباحثة الكولومبية مارييلا أديلا ريفيرا—سان تنر، فقد
ألقت الضوء علي
النتائج المترتبة علي نقص قطاع المياه." في كوشابامبا، ببوليفيا، أدي نقص
مياه الشرب إلي ارتفاع جنوني في أسعارها إلي الضعف،
بينما في كوناكري
بغينيا ارتفعت أسعار مياه الشرب إلي خمس أضعافها في فترة خمسة سنوات فقط.
الأمر الذي انعكس سلباً علي حياة النساء النازحات،
والفتيات والصبيان. "
ألقت الكاتبة الضوء علي الكيفية التي يؤثر بها نقص مياه
الشرب في حياة
الناس في بلدان مثل الفلبيبين وكولومبيا، حيث يقل مستوي الدخل كثيراً عن
مواكبة متطلبات الحياة اليومية. حينما تم قطع مياه الشرب
عن الذين لم
يتمكنوا من سداد مصاريفها، لجأت النساء مرة ثانية إلي استخدام المياه
الملوثة، مما عرضهن إلي مخاطر الأمراض المزمنة. كما كن
يمضين الساعات
الطوال في جلب المياه من مناطق بعيدة، فضلاً عن عجزهن في تغطية منصرفات
التغذية والصحة والتعليم، والتي حولنها إلي شراء المياه
النقية."
المياه صارت الهاجس الكبير لكل المهتمين بالجوانب
الإنسانية والمنظمات
الطوعية. وصار الشعار المرفوع الذي يعمل الجميع علي تنزيله إلي
ارض الواقع:"يجب
مشاطرة ومقاسمة مصادر المياه دولياً". إن توفير المياه مهمة
كل القطاعات الاقتصادية والسلطات القضائية بين الدول
والأمم المستقلة
وحيثما أقرت الحاجة إلي بيئة سليمة معافاة.
من جانب آخر، تلعب المياه دوراً حيوياً في حياة النساء
في كثير من
المجتمعات. ففي بعض المناطق، تضطلع النساء علي الدوام بمهمة استخدام
وإدارة المياه في أسوأ الحالات، وفي بعض الأحيان ليس
أمامهن سوي المفاضلة
ما بين الأكل وبين توفير القدر المناسب للاستهلاك اليومي لمياه
الشرب.. فالوقت الذي يضعنه في
جلب مياه الشرب، يمنعهن، بمرور الأيام، من المشاركة
في عملية صنع القرار و الدفاع عن قضيتهن ضد الفقر، كما
يقعد بمحاولة تحسين
مستواهن المعيشي.
فالحاجة إلي إتاحة فرص الحصول المتساوي علي المياه
وكيفية التحكم في إدارة
النظام البيئي من اجل المحافظة علي هذا المورد المائي ولمنع
الكوارث الطبيعية
هو أمر في غاية الأهمية. انه احد حقوق الإنسان التي لا يمكن
إغفالها أو التراخي فيها. وهذا بدوره يتطلب إعادة تقييم
الدور الإنمائي
والاجتماعي والبيئي للمياه والاعتراف كذلك بقيمة الدور الذي تلعبه النساء
كمديرات مُرَشِدات لاستخدام الموارد المائية ، في
بيئاتهن الصغيرة وانعكاس
ذلك علي كافة جوانب الأنشطة الاجتماعية والاقتصادية للدولة. إن
استدامة المصادر
المائية وأهمية دورها في البناء والتخطيط، أمر يستدعي إعادة
النظر.
عقد المياه... عشر سنوات فاتحة خير
أصدرت الجمعية العامة للأمم المتحدة هذا العام قرارها
رقم إيه/أر أي
أس/58/217 القاضي بتخصيص العشر سنوات القادمة والتي تبدأ 2005 إلي 2015
للمياه، والتي أطلقت عليها "العقد الدولي للمياه
المياه". كما تطرق القرار
إلي أن الهدف الرئيسي لهذا العقد هو تسليط الأضواء علي كل
المواضيع المتعلقة
بالمياه. إلي جانب تطبيق البرامج ذات الصلة بها وذلك وصولاً إلي
تحقيق الأهداف الخاصة بالمياه والمتفق عليها دولياً حسب
منطوق المادة 21
وخطة عمل جوهانسبرج، بجنوب إفريقيا.
يا معشر النساء ..إن الكرة في ملعبكن.."دللن علي وعيكن
البيئي." ان المياه امانة في اعناقنا...!!