Free Web Hosting Provider - Web Hosting - E-commerce - High Speed Internet - Free Web Page
Search the Web

مآلات المشهد السياسي السوداني...

GMT 2:00:00 2005 الجمعة 8 يوليو

إيلاف

 


 

حليمة محمد عبد الرحمن من الرياض : للرقم ستة عشر وقع خاص في ذاكرة المواطن السوداني، لارتباطه بالنظم العسكرية. و للمرة الثانية في تاريخ السودان يتكرر نفس الرقم محمولاً على أكتاف العسكر... يعتبر الرئيس السوداني السابق جعفر النميري (25 مايو 1969-16 ابريل 1985م)، صاحب الرقم القياسي الأول في تاريخ الحكومات العسكرية الطويلة الاجل، الى أن انقلب عليه رئيس هيئة أركانه المشير عبد الرحمن سوار الدهب و استولى على السلطة.

و في عام 1989 وصل التيار الإسلامي إلى سدة الحكم بقيادة عمر البشير و رعاية الدكتور حسن الترابي عراب الثورة و منظرها، لعقد من الزمان. من غريب الصدف، أن رتبتي النميري و البشير العسكريتين كانتا متقاربتين : استولى الأول علي السلطة برتبة العقيد، و جاء البشير إلي الحكم برتبة العميد. و قام كليهما بترقية نفسه إلي رتبة المشير و هي اعلي رتبة في الجيش. و واجها نفس التمرد الجنوبي في البداية، فاستطاع النميري عقد اتفاقية أديس أبابا عام 1971، مع المتمردين الذين حملتهم رياح التغيير السياسي إلى الخرطوم فعين النميري الدكتور فرنسيس دينق كأول جنوبي وزير دولة بوزارة الخارجية. بينما سيشغل احد الشخصيات البارزة في حركة قرنق منصب أول وزير خارجية جنوبي في عهد البشير. قام كل من الرجلين شخصية جنوبية، في منصب نائب رئيس الجمهورية. اختار الرئيس السابق نميري شخصية جنوبية بارزة لتشغل منصب النائب الثاني، بينما سيشغل قرنق منصب النائب الأول لرئيس الجمهورية البشير.شاءت إرادة الله أن يحرم كلا الرجلين من الذرية، فأثلج صدور الكثيرين حرمان الرجلين من احتكار السلطة في ذريتهم أو أسرهم، كما درجت العادة عند بعض الحكام العرب و الأفارقة.

الحكومة القادمة....اربعة سنوات جديدة لرصيد البشير

سيتيح توقيع اتفاقية السلام، في يوم غدِ، التاسع من يوليو الجاري ، للإنقاذ حكم البلاد مرة أخرى لمدة أربعة سنوات في حكومة ائتلافية بين البشير و قرنق. كما سيؤدي توقيع الاتفاقية إلي إنهاء أطول تشهدها القارة الإفريقية، و تساهم في توطيد دعائم الاستقرار و دفع عجلة التنمية. أطلق الرئيس البشير تلك البشرى في الثلاثين من يونيو الماضي، في ذكري احتفالات حكومته بعيدها الأخير. خلافاً للهجة المصادمة، جاء خطاب الرئيس يحمل في طياته بشائر السلام، حافلاً بالعديد من المواضيع التي وجدت اهتماماً واسعاً على المستويات المحلية والإقليمية والدولية.
 
تزامنت احتفالات وداع حكومة المؤتمر الوطني، مع بروز معارضة جديدة إلى سطح الأحداث الساخن.! ففي الوقت الذي صار فيه سلام الفرقاء الثلاثة : البشير و قرنق و الميرغني، واقعاً معاشاً.، طرحت بذرة التحالف الوطني المعارض بقيادة الانسباء الترابي و المهدي ، بذرتها و صارت هي الاخرى ، هاجساً مستقبلياً، يقض مضاجع البعض..!

تطرق البشير في خطابه الأخير لكثير من الأمور المستجدة منها والمؤجلة، قمنا بتصنيفها في ثلاثة محاور، شملت السلام والحريات العامة والحياة الاقتصادية والاجتماعية والسياسية المستقبلية، إلى جانب محور الصحة العامة والتعليم والمرأة. تفاوتت ردود فعل الشارع العريض ما بين قلة متحفظة حيال هذه الإنجازات وأغلبية فرحة. ففي الوقت الذي نزل فيه إعلان البشير بميلاد عهد السلام برداً وسلاماً علي قلوب الكثيرين، عده المتشائمون بداية صغيرة، في طريق السلام الطويل الشائك.

نوه البشير إلى إن احتفالات التشكيلة الائتلافية القادمة، سيحضرها ضيوف من دول الجوار والعالم..وذلك في إشارة واضحة إلى كسر حاجز العزلة الدولية والتبشير بعهد الانفتاح على العالم.. «لن تكتمل سعادتنا حتى نشهد مفاوضات ابوجا والشرق تعزز السلام ليهنأ الجميع بالأمن والسلام». ولم ينس البشير الإشادة بالدكتور جون قرنق والسيد محمد عثمان الميرغني ووصفهما بالحرص على السلام.

حديث الذكريات...الأماني والاتهامات

لم تكن تلك صورة الرجلين في أمس البشير، أو صورة البشير لدي الرجلين. و لكن للسياسة و شؤونها أحكام أخرى. فقد ورد عن العقيد جون قرنق انه قال بمناسبة احتفال الإنقاذ بعيدها الأول، أنها لن تحتفل بالثاني، فإذا بها تحتفل بالعام السادس عشر وقد تحول هو إلي احد المساهمين في بقائها.
 
عقب استيلاءه على السلطة، في عام 1989، دعى البشير قرنق إلي الجلوس إلى طاولة مفاوضات السلام قائلاً «هم جنود (يقصد حركة قرنق). و نحن جنود لذلك نحن نتحدث بلغة مشتركة."  فما كان من قرنق إلا إن سخر منه قائلا: " إن العرض يتميز بالسذاجة و السخف و لا يجدر إن يصدر من البشير. " و أضاف قائلاً« من الواجب على البشير إن يعي جيدا أننا نعمل ونحارب داخل السودان، و لكن ليست هذه هي (القضية). (القضية) هي إن البشير." ما هو إلا متمرد تماما مثل متمردي الحركة. و في هذا المجال هو حديث عهد بالتمرد." و في ذلك إشارة واضحة إلى رفض الجلوس إلي البشير إلا بالشروط التي يمليها هو، والتي جاء على رأسها التعامل الصحيح مع المشكلة بعيداً عن قصرها علي جنوب السودان فقط وشدد علي وجوب تناولها كقضية سودانية عامة تتعلق "بالمناطق المهمشة"، شمال وجنوب السودان. وبهذا صار قرنق أول من ادخل مصطلح مناطق مهمشة في قاموس السياسة السودانية.
كانت تلك "الملاسنة" بين البشير وقرنق،  عقب رفض الأول لمبادرة محمد عثمان الميرغني السلمية لوقف الحرب مع قرنق الموقعة عام 1988م. شملت بنود الاتفاقية التي كانت تنتظر إجازتها من الجمعية التأسيسية (البرلمان السوداني) وقف الحرب ورفع حالة الطوارئ و تجميد القوانين الإسلامية و عقد المؤتمر الدستوري الذي تحضره القوى السياسية المختلفة و إلغاء اتفاقيات الدفاع المشترك الموقعة مع السودان. ، بعد شهرين من اعتلاء البشير دست الحكم،  فاجىء جميع المراقبين السياسيين بقبوله التفاوض مع قرنق، الذي نقح وعدل في شروطه الخاصة هذه المرة.  بالإضافة إلي المطالبة بالاعتراف بـ"سودانية المشكلة" أضاف مطلباً جديداً هو حق تقرير المصير و الانفصال والاستفتاء وإلغاء قوانين الشريعة الإسلامية او قوانين سبتمبر، كما كان يطلق عليها..

دارت عجلة المفاوضات بين البلدين الإفريقيين إثيوبيا وكينيا، كما تواصل دوران ترسانة الحرب في الجنوب.في آخر المطاف، كللت مساعي الطرفين في العام الماضي بتوقيع بروتوكولات السلام الستة بين حكومة البشير و الحركة الشعبية لتحرير السودان بزعامة الدكتور جون قرنق. جاءت تفاصيل هذه البروتوكولات على النحو التالي: بروتوكول ماشاكوس، يوليو / تموز 2002، الذي أعطى للجنوبيين حق تقرير المصير، و إعفاء مناطقهم من تطبيق قوانين الشريعة الإسلامية، و بروتوكول الترتيبات الأمنية (2003) الذي نص على وجود جيشين في السودان خلال الفترة الانتقالية، هما جيشا الحكومة و الحركة، و بروتوكول تقاسم الثروة (2003) و تقاسم السلطة (2004) و بروتوكولان للمناطق المهمشة أو المتأثرة بالحرب (2004).

سلام السودان القادم...هل يكون أعرجا؟

إن كان السلام يصب في خانة التنمية و استقرار البلاد و رفاهية الشعب السوداني المغلوب على أمره، فهل يكون انفراج الحريات العامة، علي جزئيته، القشة التي ستقصم ظهر بعير اتفاق قرنق – البشير؟ هل ينسى الدكتور الترابي الخصم اللدود للبشير، إن هذا الأخير،  أودعه السجن، و هو الذي أوصله إلي القصر الجمهوري رئيساً للسودان، بينما ذهب هو طواعية  إلى السجن حبيساً. ذلك ما ستجيب عنه الأيام القادمة في ظل الوقائع التي سنطرحها لاحقاً.
لن يكون ن عبير الحريات المتاحة، الذي بدأ بإطلاق سراح جميع المعتقلين السياسيين، فعالاً ما لم يصاحبه إطلاق مزيد من الحريات. مع العد التنازلي لاستشراف عهد جديد، مازالت بعض القوانين المقيدة للحريات سارية المفعول علي الرغم من الضرر الواقع علي المواطنين بسببها. لا تزال الساحة السودانية تعيش ضغوطاً متزايدة من الرقابة على الصحف إلي الحد الذي وصل إلي إيقاف ثلاثة منها. هذه الإجراءات تحرم الصحافة السودانية من لعب دورها الريادي في الرقابة علي الاداء العام والمساهمة في كشف الخلل والفساد الاجتماعي. في هذا دليل واضح على هيمنة العقلية القديمة النزاعة إلي إحكام السيطرة والإمساك بجميع الخيوط بين يديها. يبدو إن البشير ترك القوانين المقيدة للحريات ومسألة الحريات العامة إلى الحكومة الائتلافية القادمة، "وكفى الله المؤمنين شر القتال".

و في نفس الوقت، ينوي كثير من المعارضين، و على رأسهم الدكتور حسن الترابي، الاستفادة التامة من حيز الحريات الضيق المتاح، للعودة إلى الساحة السياسية من باب آخر، غير ذلك الذي دخل منه قبل ستة عشر عاماً..!

يغادر قطار الحكومة الجديدة هذه المرة و قد صعد علي متنه شخص غاية في الأهمية و هو الدكتور جون قرنق و ترجل عنه في نفس اللحظة شخص غاية في الأهمية علي المستويين الإقليمي والدولي، هو الدكتور حسن الترابي.
عاد الترابي إلي الساحة السياسية مرة أخرى و قد قرر تغيير جميع قوانين اللعبة السياسية. فبدلا عن الحزب السياسي المعارض، قرر إن يقدم نفسه هذه المرة إلي الشارع السياسي السوداني باعتباره قائداً لحركة إصلاحية.  في مؤتمره الصحفي الأول، الذي عقده في الثالث من يوليو الجاري بدار حزبه بالخرطوم، زعم الترابي أن الفساد الاجتماعي استشرى في جميع مفاصل المجتمع. يطمح " المعارض الجديد" بهذه الكيفية، الى كسب الشارع ومعارضة الحكومة الائتلافية، التي احد اضطلاعها البشير وهو احد تلامذته السابقين وطرفها الآخر غريم سابق ، هو قرنق، الذي ، نجح  في توقيع مذكرة تفاهم معه، الأمر الذي اعتبره البشير انقلاباً عليه فأودعه الحبس بسببه  لما يزيد عن خمسة عشر شهراً..

وصف الترابي المعارضة المستقبلية التي ينوي زعامتها بالنزاهة و الموضوعية " لن نكون معارضة انتهازية". هل تكفي روشتة النزاهة التي قدمها إطارا عاماً لضمان نجاح برنامج المعارضة، "الأحادي البنود".  خاصة وان حكومة البشير التي يسعى إلي النيل منها والتي اتهمها بالفساد، كانت في نظره، من اشد الحكومات نزاهة حتى خرج عنها..
و في نفس المؤتمر، قلل الترابي من أهمية فعالية المفوضيات التي اقرها اتفاق السلام، و ذلك لأنه، حسب وجهة نظره، فان إجازة الأمور المعروضة عليها ستكون بيد الأغلبية و هو المؤتمر الوطني – أي حكومة البشير- صاحب الأغلبية الكبيرة.  معروف إن نسبة مقاعد الحكومة في السلطة تبلغ 52%، تليها الحركة 28%، كما نالت الأحزاب الجنوبية الاخري نسبة 6%,  وتركت نسبة الـ14% لباقي التنظيمات والأحزاب السياسية الشمالية. ندد الترابي بهذه القسمة قائلاً: « بهذه النسبة كل العاملين مغلوبين على أمرهم الشماليين والجنوبيين و الحركة الشعبية)، وأضاف «حسب اتفاق السلام والدستور، فإن الشعب سيظل مغيباً لمدة 4 سنوات قادمة».

ولم ينف الترابي صلة حزبه بالحركات المسلحة في دارفور و قال : " نحن نحاول إن نتصل بهم (أي حركات التمرد) حتى يجتمع رأى الشعب على اطر عامه يتم عبرها التداول من اجل التوصل إلى حلول للقضايا. في هذا الإطار، لم ينس الزعيم البرلماني السابق الإعلان صراحة عن مساندة حزبه بنسبة 100% لقضية دارفور.

في ظل الرقابة النسبية للصحف و المعارضة "النزيهة" الموعودة، يتوقع كثير من المراقبين السياسيين أن يكون أداء الحكومة المستقبلية ممتازاً. غير ان الجزم بذلك،  يصبح من سابع المستحيلات، خاصة في وضع التكتلات الحزبية المناوئة للوضع الراهن.

لم يمر خطاب الترابي مرور الكرام، بل وجد نقداً عنيفاً و لاذعاً من قبل بعض كتاب الأعمدة، المحسوبين علي حكومة الإنقاذ الوطني، الذين وصفوه بأنه اصطياد في المياه العكرة.

شن الصحفي محمد عبد القادر في جريدة الرأي العام السودانية بتاريخ 4 يوليو الجاري، هجوماً عنيفاً علي الترابي، في حديثه الذي قلل فيه من شأن الدستور القادم : " و بالامكان القول إن الحرية التي تتيحها نصوص الدستور" الذي اعتبره الشيخ فضيحة.. لا يعرف الهامش الذي كانت تتباهى به الإنقاذ حينما كان الترابي عرابها.. وزعيما لبرلمان فَصًّل قانون التوالي و هزم فكرة الأحزاب واضعف هيبتها السياسية حتى سميت فيما بعد بـ" أحزاب التسالي"." و أضاف نفس المصدر السابق أن الميرغني الذي رفض شيك الإنقاذ الذي قدمته له بدون رصيد، فرفضه و قبل بالدخول تحت اسم التجمع الوطني، دون أن يكون له نصيب يذكر في قسمة السلطة.

..إلا إن الميرغني كقيادة طائفية مؤهل لدخول المرحلة المقبلة عبر بوابة "كبار الزوار" دون إبراز بطاقة التجمع." و في ذلك إشارة واضحة إلي المكانة الاجتماعية التي يتمتع بها الميرغني في قلوب الشعب السوداني، و الدور الرائد التاريخي الذي يلعبه الحزب الاتحادي الديمقراطي، الذي يترأسه.

الإصلاحات الاقتصادية...تمخض الجبل فولد فاراً..

على الرغم من البشري السارة التي زفها الرئيس، برفع صادرات البترول إلى 600 برميل في اليوم، و ذلك في الربع الأول من العام المقبل، الا ان المواطن البسيط لم ينعكس تصدير البترول على حياته العادية. ففي اليوم الاول الذي مخرت فيه اول باخرة عباب البحر، قامت الحكومة برفع تعريفة المواصلات. و اردفتها بعد حين،  برفع فاتورة الكهرباء و توالي سيل غلاء المعيشة..

لا يخفى على احد خيبة الأمل الكبيرة التي أصيب بها قطاع كبير من المغتربين في شتي أنحاء المعمورة. بدلاً عن الإعفاء الضريبي الشامل، بشرهم الرئيس بخفض الضرائب و الرسوم المفروضة عليهم. لم تكن الإنجازات في هذا المجال بالحجم المطلوب..

فالضرائب المفروضة منذ عام 1976، أي خلال عهد الرئيس نميري، ما زالت هاجساً يباعد بين شريحة كبيرة من المغتربين و العودة إلى بلادهم. النقطة الايجابية التي تحسب للرئيس البشير، انه خلافاً للصادق المهدي و المشير سوار الدهب الذين تناوبوا على حكم البلاد عقب الإطاحة بالنميري، كان هو الاستثناء الوحيد بين هولاء الاثنين ، الذي ابدى استعداداً في "فتح ملف الضرائب" .

"(تلك) الضريبة ظلت محورا لتلاقي كل الأنظمة المتعاقبة سواء الديموقراطية منها أو الشمولية..فلماذا يرفضونها أو يتبنون مواقف مضادة لها طالما ظلت تدر علي خزينة الدولة مالا سائبا لا نعرف حتى إلى أين يذهب؟" كتب الصحفي اللامع مصطفي البشير، في احدي مقالاته المنشورة في موقع الصحفيين السودانيين الالكتروني.

لن تكتمل فرحة المغتربين السودانيين في شتى أنحاء المعمورة، ما لم يتم البت التام في القضايا المعلقة كالضرائب و الرسوم الجمركية و حل جهاز شؤون المغتربين و حل قضية تعليم ابنائهم بالداخل. و هذه الأخيرة دفعت بالكثيرين، خاصة المغتربين بدولة قطر إلى المطالبة بفتح قضية دستورية ضد النظام المتبع في قبول أبناء المغتربين بالجامعات و المعاهد العليا..

التعليم والصحة والمرأة في الإنقاذ..

في مجال التعليم العالي أبدت الإنقاذ حرصاً واضحاً على التوسع فيه. فأنشأت العديد من الجامعات الولائية مما اتاح فرصة الدراسة بالداخل أمام طلاب الدراسات العليا الذين كانوا يهاجرون إلي الخارج للتحصيل العلمي. إلا إن هذا التوسع لم تواكبه دراسة وتخطيط مسبق لسوق العمالة، الذي يستوعب هذه الزيادة من الخريجين الجدد. كانت المحصلة الأولية أن طالت البطالة المؤقتة خريجي الكليات العلمية بما فيها كليات الطب.

اما على المستوى القاعدي، فقد أهملت الإنقاذ التعليم الحكومي وأوكلت أمره إلي المحليات التي عجزت، في كثير من الأحيان عن دفع مرتبات المعلمين. فهجر كثير منهم المهنة. إلى بلاد المهجر أو إلى المدارس الخاصة التي ازدهرت علي حساب المدارس الحكومية التي ترتادها الغالبية البسيطة. فانعكست الآية، و توفرت فرص التعليم الجيد لفئة بسيطة هي القادرة علي الاضطلاع بأعباءه الباهظة و حرمت الأكثرية الساحقة من المعدمين. و مما يدلل علي ذلك النتائج الباهرة التي تحرزها المدارس الخاصة بولاية الخرطوم في امتحانات الشهادة السودانية.حسب تقديرات 1998 الإحصائية، لا تتجاوز نسبة الإنفاق علي التعليم في الميزانية العامة 0.4% تصل الزامية التعليم في المدارس الابتدائية الي 8 سنوات للجنسين.

بالرغم من كل تلك الارقام القاتمة، نسبة معرفة القراءة و الكتابة الي 78.1% (إحصاء 2001) تبلغ نسبة التعليم بين النساء 72.7% و بين الرجال 83.5%.

قطاع الصحة...البيات الشتوي

لم يكن انتصاراً كبيراً الإعلان بتوسيع مظلة الرعاية الاجتماعية و الصحية لتشمل أئمة المساجد وطلاب المدارس القرآنية ( الخلاوي ) و مجانية علاج بعض الأمراض كالسرطان و أمراض القلب. ذلك ليس بالأمر الجديد. كفلت  الحكومات السابقة، للمواطن البسيط، حق  العلاج المجاني في جميع مراكز الدولة الصحية.
لم يشمل التطوير القطاع الصحي كثيراً، حيث لم يزد عدد المستشفيات كثيراً. و استبدلت الانقاذ مجانية العلاج بما أطلق عليه الدواء الدائري، باستثناء بعض أقسام الطوارئ  ، في المقابل دخلت الخدمات الصحية في مجال الاستثمار، فازدهرت المستشفيات الخاصة، التي ارتفعت فاتورتها كثيراً، و بالتالي عزت على الكثيرين الذين لا يجدون قوت يومهم. صاحب ذلك تدني الأجور، فهاجرت كثير من الكفاءات، و أفرغت المستشفيات الحكومية من الكوادر الطبية والأدوية المنقذة للحياة.

المرأة السودانيةخطوة إلي الأمام

لا يخفي على احد أن الحركة النسوية في السودان تعتبر من الحركات الرائدة في العالمين الإفريقي و الإسلامي. بدأت حركات التحرير النسوية في نهاية الاربعينات من القرن الماضي. و بفضل سعيها الجاد، نالت المرأة السودانية،  حق الأجر المتساوي للعمل المتساوي منذ منتصف الستينات. و عند تولي الرئيس السابق النميري، دفة الحكم، شغلت العديدات منهن المناصب الدستورية و القيادية و الوزارية..

 لم يتوقف نضال المرأة في عهد الإنقاذ. شهدت المرأة طفرة نوعية و ليست كمية. من الاشراقات الجديدة التي أضيفت إلى مسيرة نجاحها المهنية،  نيلها حق سن المعاش المتساوي مع الرجل. عدلت سنها المعاشية إلي الستين بدلاً عن سن الخامسة و الخمسين. بالإضافة إلى كفالة حق سنة أمومة مدفوعة الأجر الأساسي. و لعل ذلك من محاسن الإنقاذ أنها وضعت امرأة علي رأس وزارة الرعاية الاجتماعية.

قفزت الإنقاذ قفزة نوعية بالمرأة إلى الوظائف العليا، في الوقت الذي قفلت الباب أمام الكفاءات الجديدة من النساء في الوزارات السيادية و الهامة كوزارة الخارجية و العدل و الاعلام والداخلية...الخ.

على سبيل المثال، لأول مرة في تاريخ السودان، تعمل الإنقاذ علي تعيين امرأة في منصب قاضي المحكمة الدستورية الاتحادية. في الوقت الذي عملت فيه الإنقاذ على تقليص عدد العاملات في ديوان النائب العام، و قصرت، في الغالب، بعض المهن كمهنة وكلاء النيابة و القضاة على جنس الذكور.أما في مجال الإعلام، في الوقت الذي قلصت فيه من العنصر النسائي في وكالة السودان للانباء، (سونا)، عمدت الإنقاذ إلي تعيين امرأة في منصب المدير العام للوكالة.
 و في القوات المسلحة،  رفعت الدرجة المسموح بها للنساء الي رتبة اللواء، بدلاً عن إحالتها إلي المعاش عند بلوغها رتبة العقيد، و فتحت بذلك باب الترقية أمام المرأة إلي المراتب العليا، مع زملائها الرجال. علماً بانها  تتلقى نفس التدريب العسكري وىتتخرج بنفس الرتبة العسكرية.

تواصل سيل الترقيات و توالت سيناريوهات " التطفيشات ". ففي وزارة الخارجية، عينت امرأة في منصب مندوب السودان في الأمم المتحدة. كما تمت ترقية إمرأتين إلي درجتي السفير، الا ان الباب اوصد امام الطاقات النسوية الجديدة في الوزارة، عدا كوة صغيرة يتطلب اجتيازها شروطاً معينة، قد لا تتوفر لدي الكثيرات.
إن الغرض من مثل هذه التعيينات على مستوى القمة وتقليصها على مستوى القاعدة، فيه الكثير من الزخم الإعلامي الذي نجحت فيه الانقاذ بامتياز.

في الوقت الذي تحتفل فيه الإنقاذ وتوثق لإنجازاتها، لم تتطرق إلي شريحة كبيرة من المفصولين من الخدمة المدنية والعسكرية. قامت حكومة البشير في مطلع عهدها بتطبيق نظام الصالح العام الذي شَرَّد العديد من الكفاءات الوطنية، ممن لا ينتمون إلي التيار " الإنقاذي " الحاكم. و كان ذلك سبباً مباشراً في تردي الخدمة المدنية. فتوارت الكفاءة كأحد معايير الفوز بالوظيفة ليحل محلها الانتماء الفكري أو ارتداء "الكاكي"، في قيادة دفة الخدمة المدنية. لا نريد استباق الأحداث، قد تكون هذه الخطوة متروكة للحكومة الائتلافية الجديدة، لكن إعادة النظر في أمر الشريحة الكبيرة من الشعب السوداني التي تم فصلها تعسفياً، يظل مطلباً قومياً و مطمحاً شعبياً لا تحده حدود.

قدرة الحكومة علي قيادة دفة الأمور..الإشكالية والواقع

يزعم كثيرون ان من سوء طالع الإنقاذ أن تزامن ظهورها مع كثير من الأحداث الإقليمية و الدولية و التي كان على رأسها غزو العراق للكويت الذي قسم العالم العربي الي قسمين. اختار السودان الوقوف إلي جانب الجهة الخاسرة و هي العراق الذي كان يمده بالأسلحة و الآليات الثقيلة في قتاله ضد قرنق. و من المؤسف أن إبحار الإنقاذيين عكس تيار المصلحة الإقليمية و الدولية، جر البلاد إلى عزلة دولية شبه كاملة. تجرع السودانيون مرارتها، فيما انعكس سلباً على الأوضاع الاقتصادية و الهموم المعيشية اليومية للمواطن العادي.

لم يقف سوء الطالع، عند ذلك الحد. كانت حكومة الإنقاذ، أول نظام يعاقب دولياً. و يتدخل المجتمع الدولي في بلده. و تصدر ضده أكثر من عشر قرارات، تتهمه بالابادة العنصرية لأكثر من ستة مليون شخص، هم سكان دارفور. و يحال أكثر من خمسين شخصاً من مواطنيه إلى محكمة العدل الدولية بتهمة التطهير العرقي و القتل الجماعي.
بعد خسارتها جميع جيرانها، لعبت الإنقاذ بمهارة للخروج من عنق الزجاجة و إعادة تطبيق علاقاتها مع المجتمع الدولي. استطاعت التملص من تهمة تدبير محاولة اغتيال الرئيس المصري حسني مبارك و جمدت مسألة مثلث حلايب مع مصر ، و قامت بطرد الجماعات الإسلامية و سلمت كارلوس المطلوب دولياً إلى فرنسا. و في نفس الوقت التفتت إلى التنمية الداخلية، فجلبت الشركات الصينية للعمل في قطاع البترول خلافاً للكندية و اتجهت بقوة إلى التنمية الداخلية. الخ. استفادت حكومة البشير من كل أخطاء الماضي، حيث عمدت إلى اتخاذ تدابير تكتيكية جديدة. شرعت بكل جدية في إعادة الاستقرار و السلام الداخلي.  فقادت سلسلة مفاوضات طويلة،  توجتها مؤخراً بوقف الحرب في الجنوب.

إلي أي مدى سيستفيد الفرقاء و الأصدقاء و الانسباء من مناخ الحريات ؟

المتابع لسيناريو المشاهد السياسية السودانية،  يدرك تماماً إن الأحزاب السياسية السودانية ينطبق عليها المثل السوداني الذي يقول عادت حليمة إلى قديما- أي قديمها. و دارت نفس الدورة المعهودة مصالحة- انقلاب-مصالحة، و هكذا دواليك..

في الماضي القريب، كون الترابي والصادق المهدي عام 1977 الجبهة الوطنية المعارضة التي صالحت النميري و دخلت الحكم معه. و فيما بعد غادر الصادق المهدي نظام النميري، و واصل صهره الترابي، حيث تقلد مناصب عديدة من بينها منصب النائب العام، و الذي جعله في نظر الكثيرين المسئول الأول عن صياغة و تطبيق قوانين الشريعة الإسلامية عام 1983.ثم انقلب الترابي على الصادق المهدي وأطاح بحكومته الديمقراطية في 30 يونيو 1989.

ولا يختلف الوضع مع قرنق عما كان عليه مع الصادق المهدي . مرت علاقة قرنق الترابي بمراحل العداوة الشديدة، ثم التقارب، ثم المعارضة. في 21 فبراير وقع الترابي عن طريق مناديبه في سويسرا مذكرة تفاهم مع قرنق، أودعه البشير بموجبها السجن. ثم بدأ في إرسال شواظ من النقد الي قرنق، في مؤتمره. الصحفي في الثالث من يوليو. و هو نفس الشخص الذي حول الترابي الحرب ضده إلى جهاد، فخاض الكثيرون غمارها بغية الفوز بالشهادة. ففقدت كثير من الأسر عائليها. 

ما يميز الرجلين قرنق و الترابي هو أن كليهما خصم عنيد و مقاتل شرس عركته التجارب و الظروف الاجتماعية و البيئية التي وجد كليهما نفسه فيها. الترابي خلاصة أربعين عاماً من العمل السياسي. أما قرنق، فهو الآخر مفاوض لا يشق له غبار و مقاتل يعرف متى ينتصر في الحرب ومتى يلتف حول الحكومة ليجعلها تحارب على أكثر من جبهة في وقت واحد.

و مثلما حمل الترابي البشير إلي الحكم، يحاول الآن إنزاله عن جواد السلطة الذي أسرجه له. جاء الترابي للمعارضة و له بند واحد غير معلن، إسقاط الحكومة الحالية. و بدأ تدشين نشاطه السياسي باستعراض خططه المستقبلية، من قيادة للمظاهرات و كشف للسلبيات و تأليب للمهمشين..الخ

جاء قادة الأحزاب السودانية التقليدية إلى السلطة مرة أخرى..باستثناء الدكتور قرنق، لم يترجلوا عن سروج السلطة منذ أكثر من أربعة عقود..عانت أحزابهم من الانقسامات الداخلية و الائتلافات الخارجية.. هل يلتفتون إلى مداواة جراح الماضي في بيتهم الواحد ثم يلتفتون الى البيت الكبير، السودان؟ هل سيكونون أكثر صدقاً و التصاقاً بقواعدهم الانتخابية، ام تظل كما كانت عليه في السابق : علاقة موسمية و مصالح معطلة حتى إشعار آخر..!! و زواج متعة ينفض سامره و سُمًّاره صبيحة اليوم الثاني..!!